حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٥٥٩
كالسماء و الأرض) فى المحسوسات، فإنهما وجوديان؛ أحدهما: فى غاية الارتفاع، و الآخر: فى غاية الانحطاط؛ و هذا معنى شبه التضاد، و ليسا متضادين؛ لعدم تواردهما على المحل؛ لكونهما من الأجسام دون الأعراض، و لا من قبيل الأسود و الأبيض؛ لأن الوصفين المتضادين هاهنا ليسا بداخلين فى مفهومى السماء و الأرض.
المسند إليهما وهمى لتحققه بشبه التضاد بينهما (قوله: كالسماء و الأرض) أى: كشبه التضاد الذى بين السماء و الأرض (قوله: أحدهما فى غاية الارتفاع إلخ) المراد بالغاية هنا الكثرة و إن لم تبلغ النهاية، فاندفع ما يقال: إن السماء الأولى ليست فى غاية الارتفاع؛ لأن ما فوقها أرفع منها و الأرض العليا ليست فى غاية الانحطاط، و ما أجاب به بعضهم:
من أن المراد بالسماء مجموع السموات، و بالأرض مجموع الأرضين- ففيه نظر؛ لأن الذى فى غاية الارتفاع العرش، و الذى فى غاية الانحطاط الماء الذى تحت الأرض السابعة.
(قوله: و هذا) أى: كون أحدهما فى غاية الارتفاع و الآخر فى غاية الانحطاط معنى إلخ، فشبه التضاد هو الكونية المذكورة.
(قوله: و ليسا إلخ) يعنى أن السماء و الأرض لما لم يتعاقبا على موضوع أصلا لم يكونا متضادين فهما خارجان من تعريف التضاد بقوله: يتعاقبان على محل واحد. قال سم: و كأن وجه ذلك أن بينهما بعدا كثيرا كما بين المتضادين (قوله: دون الأعراض) ظاهر هذا الكلام يدل أن التوارد على المحل إنما هو فى الأعراض- و فيه نظر لما عرفت أن المحل أعم من الموضوع و المختص بالأعراض هو الثانى لا الأول (قوله: و لا من قبيل إلخ) إشارة إلى سؤال نشأ مما سبق و جوابه، أما السؤال فهو أن يقال: جعل الأبيض و الأسود من قبيل المتضادين باعتبار اشتمالهما على الوصفين المتضادين- فلم لم يجعل السماء و الأرض من هذا القبيل بهذا الاعتبار؟ و حاصل الجواب أنهما لم يجعلا من قبيل الأسود و الأبيض؛ لأن الوصفين المتضادين فى الأبيض و الأسود جزءان من مفهوميهما؛ لأن الأسود شىء ثبت له السواد و الأبيض شىء ثبت له البياض بخلاف السماء و الأرض، فإن الوصفين المتضادين فيهما و هما الارتفاع و الانحطاط لازمان لهما و ليسا داخلين فى مفهوميهما، فإن السماء جرم مخصوص تنوسى فيه معنى السمو و الأرض