حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٥٣٩
...
تدرك الكليات و الجزئيات المجردة عن عوارض المادة المعروضة للصور و عن الأبعاد:
كالطول و العرض و العمق؛ و ذلك لأنها مجردة و لا يقوم بها إلا المجرد، و زعموا أن لتلك القوة خزانة و هى العقل الفياض المدبر لفلك القمر لما بينهما من الارتباط، فإذا كنت ذاكرا لمعنى الإنسان كان ذلك إدراكا للقوة العاقلة، فإذا غفلت عنه كان مخزونا فى العقل الفياض، و وجه تسميته بالفياض و ارتباطه بالقوة العاقلة إنهم يقولون: إن ذلك العقل هو المفيض للكون و الفساد على جميع ما فوق كرة الأرض من الحيوانات و النباتات و المعادن و هو المعبر عنه بلسان الشرع بجبريل- هكذا زعموا- و يزعمون أيضا أن العقل الفياض المدبر لفلك القمر ناشئ عن عقل الفلك الذى فوقه المدبر له، و هكذا إلى آخر الأفلاك التسع و هى السموات السبع و الكرسى و العرش و هى عندهم حية دراكة لها نفوس و عقول، و هناك عقل يسمونه العقل الأول و هو العقل الناشئ بطريق التعليل عن واجب الوجود و هو الذى أثر فى عقل الفلك الأعظم و هو العرش، فالعقول عندهم عشرة كلها مندرجة تحت مطلق عقل.
و أما الوهمية فهى القوة المدركة للمعانى الجزئية الموجودة بشرط أن تكون تلك المدركات الجزئية لا تتأتى إلى مدركها من طرق الحواس، و ذلك كإدراك صداقة زيد و عداوة بكر و إدراك الشاة إيذاء الذئب مثلا، و لهذا يقال: إن البهائم لها و هم تدرك به كما أن لها حسا، و محل تلك القوة أول التجويف الآخر من الدماغ من جهة القفا، و ذلك لأنهم يقولون: إن فى الدماغ تجاويف أى: بطونا ثلاثة إحداها فى مقدم الدماغ، و أخرى فى مؤخره، و أخرى فى وسطه فيزعمون أن الوهم قائم بأول التجويف الآخر، و لتلك القوة الوهمية خزانة تسمى الذاكرة و الحافظة قائمة بمؤخر تجويف الوهم، فإذا أدركت محبة زيد أو عداوة عمرو، كان ذلك الإدراك بالقوة الواهمة، فإذا غفلت عن ذلك كان مخزونا فى خزانتها و هى الحافظة، فترجع تلك القوة إليه عند المراجعة.
أما الحس المشترك فهو القوة التى تتأدى أى: تصل إلى الصور المحسوسة الجزئية من الحواس الظاهرة فتدركها و هى قائمة بأول التجويف الأول من الدماغ من جهة