حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٣٩٦
و الحال أنكم لها كارهون؟ يعنى: لا يكون هذا الإلزام.
(و التهكم) عطف على الاستبطاء، أو على الإنكار؛ و ذلك أنهم اختلفوا فى أنه إذا ذكر معطوفات كثيرة أن الجميع معطوف على الأول، أو كل واحد عطف على ما قبله (نحو: أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا [١]) و ذلك أن شعيبا- عليه الصلاة و السّلام- كان كثير الصلوات، و كان قومه إذا رأوه يصلى تضاحكوا، فقصدوا بقولهم: أصلاتك تأمرك ...
(قوله: و الحال أنكم لها كارهون) الظاهر أن هذه الحال مؤكدة لما استلزمه العامل أعنى نلزمكم؛ لأن الإلزام بالشىء يقتضى كراهته (قوله: يعنى لا يكون هذا الإلزام) أى: لا يكون منى إلزام الأمة الهداية و لا قبول الحجة الدالة على العمل بالشرع؛ لأن هذا لا يكون إلا من اللّه فالذى على الإبلاغ لا الإكراه و هذا الكلام من نوح لقومه الذين اعتقدوا أنه يقهر أمته على الإسلام، و لا يقال: إن هذا الكلام يقتضى عدم الأمر بالجهاد مع أنه مأمور به قطعا؛ لأنا نقول لم يرسل بالجهاد أحد من الأنبياء إلا نبينا محمد- صلّى اللّه عليه و سلّم- كذا قرر شيخنا العدوى.
و قد تبين بما تقرر أن التوبيخ يشارك التكذيب فى النفى، و يختلفان فى أن النفى فى التوبيخ متوجه لغير مدخول الهمزة و هو الانبغاء و مدخولها واقع أو كالواقع، و فى التكذيب يتوجه لنفس مدخولها فمدخولها غير واقع فافهم (قوله: التهكم) أى:
الاستهزاء و السخرية (قوله: اختلفوا فى أنه إلخ) أى: فى جواب أنه إلخ؛ لأن الاختلاف إنما هو فى جواب هذا الاستفهام لا فيه (قوله: أو كل واحد إلخ) ظاهره كان العطف بحرف مرتب كالفاء. و ثم و حتى، أو كان غير مرتب كالواو و أو و أم، و نقل بعضهم عن الكمال ابن الهمام أن محل هذا الخلاف ما لم يكن العطف بحرف مرتب و إلا كان كل واحد معطوفا على ما قبله اتفاقا، و اعلم أن ثمرة الخلاف الذى ذكره الشارح تظهر فيما إذا كان المعطوف عليه أولا ضميرا مجرورا فعلى القول بأن الجميع معطوف على الأول لا بد من إعادة الخافض مع الجميع عند غير ابن مالك، و على القول بأن كل
[١] هود: ٨٧.