حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٤١٥
(و التسوية نحو: فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا [١]) ففى الإباحة كأن المخاطب توهم أن الفعل محظور عليه فأذن له فى الفعل مع عدم الحرج فى الترك، و فى التسوية كأنه توهم أن أحد الطرفين من الفعل و الترك أنفع له و أرجح بالنسبة إليه فدفع ذلك و سوى بينهما.
أنه إن شرط فى الإهانة و هى التصغير إظهار ذلك قولا أو فعلا كما قلنا كانت أخص من مطلق التحقير، و إن لم يشترط فيها ذلك كانا شيئا واحدا (قوله: و التسوية) يعنى صيغة الأمر تستعمل للتسوية بين شيئين و ذلك فى مقام توهم أن أحدهما أرجح من الآخر، كقوله تعالى أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ [٢] فإنه ربما يتوهم أن الإنفاق طوعا مقبول دون الإكراه فسوى بينهما فى عدم القبول و كقوله تعالى:
فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا فإنه ربما يتوهم أن الصبر نافع، فدفع ذلك بالتسوية بين الصبر و عدمه، فليس المراد بالصيغة فى المحلين الأمر بالإنفاق و لا الأمر بالصبر، بل المراد كما دلت عليه القرائن التسوية بين الأمرين كما قلنا، و العلاقة بينها و بين الأمر التضاد؛ لأن التسوية بين الفعل و الترك تضاد إيجاب أحدهما هذا، و اعترض بعضهم كون صيغة الأمر تستعمل للتسوية بأن التسوية قد تستفاد من التركيب الذى فيه النهى كما فى الآية الثانية، فيلزم أن يكون النهى للتسوية، و لم يقل بذلك أحد، فالظاهر أن التسوية لأو لا لصيغة الأمر ورد ذلك بأنهم صرحوا بأن النهى يكون للتسوية أيضا و جعلوا منه قوله تعالى أو لا تصبروا، و بأن أو لأحد الشيئين أو الأشياء، فلا دلالة لها على التسوية- تأمل. اه غنيمى.
(قوله: ففى الاباحة إلخ) هذا شروع فى الفرق بين الإباحة المتقدمة و التسوية المذكورة هنا، و كأن سائلا سأله و قال له أحدهما لازم للآخر فما الفرق، و حاصل الفرق بينهما أن الإباحة يخاطب بها من هو بصدد أن يتوهم المنع من الفعل فيخاطب، بالإذن فى الفعل مع عدم الحرج فى الترك كما فى قوله تعالى: وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [٣] و التسوية
[١] الطور: ١٦.
[٢] التوبة: ٣٥.
[٣] المائدة: ٢.