حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٦٧
و هاهنا بحث و هو أنه إذا جعل الجميع بمنزلة غير المرتابين كان الشرط قطعى اللاوقوع فلا يصح استعمال إن فيه، كما إذا كان قطعى الوقوع لأنها إنما تستعمل فى المعانى المحتملة المشكوكة ...
لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ [٢] الثانى على ما قيل إن المخاطب بكسر الطاء بهذا الكلام هو اللّه تعالى: و لا معنى لكون غير المرتاب هو المشكوك فى ريبه بالنسبة إليه تعالى لاستحالة الشك عليه تعالى (قوله: و هاهنا بحث) أى وارد على الاحتمال الثانى (قوله:
كان الشرط قطعى اللاوقوع) أى: لأن المغلبين لم يحصل منهم ريب أصلا، فإذا غلبوا على المرتابين صار الجميع لا ارتياب عندهم، و حينئذ فيكون الشرط مقطوعا بانتفائه فلا يصلح لاستعمال إن فيه و لا إذا، و الحاصل أن حقيقة التغليب أن يوجد ما للكلمة و ما ليس لها و يغلب ما لها على ما ليس لها و هنا ليس كذلك، إذ البعض مرتاب قطعا و البعض غير مرتاب قطعا، فإذا غلب غير المرتاب على المرتاب صار الجميع لا ارتياب عندهم فلم يوجد ما يليق بإن، و حينئذ فلا يتم ما ذكره المصنف من احتمال كون إن فى الآية مستعملة فى الأمر المجزوم به للتغليب، لأن التغليب يؤدى لعدم صحة التعبير بها، و أشار الشارح لجواب ذلك البحث بقوله الآتى: بل لا بد إلخ، و حاصله أنه بعد التغليب و تصيير الجمع غير مرتابين و تصيير الريب منفى الوقوع فرض ذلك الريب كما يفرض المحال لتبكيت الخصم و إلزامه، و ذلك بأن نزل ذلك الريب المقطوع بعدمه منزلة المشكوك فيه فصح استعمال إن فيه، لأنها صارت مستعملة فى موضعها الأصلى و هو المشكوك فيه ففيه تصرفان كما فى قوله تعالى: أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ فى قراءة الكسر على ما مر، فإن قلت حيث كانت إن هنا مستعملة فى موضعها و هو ما يشك فيه، فلم تكن الآية مما نحن بصدده و هو استعمال إن فى الجزم بالشرط على خلاف الأصل- قلت: تقدم جوابه، و حاصله أن صيرورة جميع المخاطبين لا ارتياب عندهم بالتغليب أمر تقديرى فلا ينافى أن بعضهم فى نفس الأمر مرتاب قطعا، فالإتيان بإن بالنظر لذلك البعض على خلاف الأصل.
[٢] البقرة: ١٤٦.