حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٥٤٠
...
الجبهة، و يعنون بالصور المدركة بهذه القوة ما يمكن إدراكه بالحواس الظاهرة، و لو كان مسموعا كصورة زيد المدركة بالبصر، و كرائحة هذا الشىء المدركة بالشم، و كحسن هذا الصوت أو قبحه المدرك بالسمع، و حلاوة هذا العسل المدركة بالذوق، و نعومة هذا الحرير المدركة باللمس، و يعنون بالمعانى الجزئية المدركة للوهم ما لا يمكن إدراكه بالحواس الظاهرة: كالمحبة و العداوة و الإيذاء و خزانة الحس المشترك الخيال و هو قوة قائمة بآخر تجويف الحس المشترك تبقى فيه تلك الصور بعد غيبتها عن الحس المشترك، فإذا نظرت لزيد أدركت صورته بالبصر، و تتأدى تلك الصورة للحس المشترك فيدركها، فإذا ما غفلت عنها كانت مخزونة فى الخيال ليرجع الحس إليها عند مراجعتها، و كذا يقال: فيما إذا ذقت عسلا مثلا، أو لمست شيئا، أو سمعت صوتا، فالحواس الظاهرة كالطريق الموصلة إليه.
و أما المفكرة: فهى قوة فى التجويف المتوسط بين الخزانتين تتصرف فى الصور الخيالية، و فى المعانى الجزئية الوهمية، و فى المعانى الكافية العقلية و هى دائما لا تسكن يقظة و لا مناما، و إذا حكمت بين تلك الصور و تلك المعانى، فإن كان حكمها بواسطة العقل كان ذلك الحكم صوابا فى الغالب، و ذلك بأن تصرفها فى الأمور الكلية و إن كان حكمها بواسطة الوهم بأن كان تصرفها فى معان جزئية أى: و بواسطة الخيال بأن كان تصرفها فى صور جزئية كان ذلك الحكم كاذبا فى الغالب، فالأول كالحكم على زيد بالإنسانية، و الثانى: كالحكم على أن زيدا عدوه، و الثالث كالحكم بأن رأس الحمار ثابتة على جثة الإنسان و العكس، و كالحكم على الحبل المرقش بأنه ثعبان و لا ينتظم تصرفها، بل تتصرف بها النفس كيف اتفق، و على أى نظام أريد؛ لأنها سلطان القوى فلها تصرف فى مدركاتها، بل لها تسلط على مدركات العاقلة فتنازعها فيها و تحكم عليها بخلاف أحكامها و هى إنما تسمى مفكرة فى الحقيقة إذا تصرفت بواسطة العقل بأن كان تصرفها فى معان كلية، أو تصرفت بواسطة العقل و الوهم معا بأن كان تصرفها فى معان كلية و جزئية و أما إن تصرفت بواسطة الوهم وحده بأن كان تصرفها