حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٦٨٠
(و منها: أن يدل العقل عليهما) أى: على الحذف و تعيين المحذوف (نحو:
وَ جاءَ رَبُّكَ [١]) فالعقل يدل على امتناع مجىء الرب تعالى و تقدس، و يدل على تعيين المراد أيضا (أى: أمره أو عذابه) فالأمر المعين الذى دل عليه العقل هو أحد الأمرين، لا أحدهما على التعيين.
بكأن و لم يجزم بأن حذف المضاف هو المصحح لعبارة المصنف إشارة إلى عدم تعينه لاحتمال أن يكون قوله: أن يدل مقحما، و الأصل منها العقل أو يجعل قوله: أن يدل العقل من باب إضافة الصفة للموصوف بعد تأويل المصدر المنسبك من أن يدل بمعنى الفاعل فكأنه قال منها دليل العقل أى: العقل الدال كجرد قطيفة و أخلاق ثياب أى:
قطيفة جرد و ثياب أخلاق، و لا يخفى ما فى هذين الجوابين من التعسف.
(قوله: أن يدل العقل عليهما) أى: معا بمعنى أنه يستقل بإدراك الأمرين بالدليل القاطع من غير توقف على قرائن فى العبارة أصلا، و قد علمت أن الدلالة على تعيين المحذوف تستلزم الدلالة على مطلق الحذف دون العكس (قوله: فالعقل يدل على امتناع مجىء الرب) أى: يدرك ذلك بالدليل القاطع من غير توقف على قرائن فى العبارة، و حيث دل العقل على ذلك فلا بد من حذف حتى يستقيم معنى الكلام و أل فى العقل للكمال إذ المدرك لما ذكر إنما هو العقل الكامل فخرجت المجسمة القائلون بأن اللّه جسم (قوله: فالأمر المعين إلخ) هذا جواب عما يقال: إن أو فى قوله أو عذابه للإبهام، و حينئذ فلا تعيين للمحذوف فلا يصح القول بدلالة العقل على التعيين، و حاصل الجواب أن المراد أنه يعين الأحد الدائر بين الأمر و العذاب و الأحد الدائر بين الأمرين المذكورين معين بالنظر لعدم ثالث و إن كان مبهما بالنسبة لهما فهو تعيين نوعى لا شخصى، و على هذا فمراد المصنف بالتعيين ما يشمل التعيين النوعى بقى شىء آخر و هو أن الأمر و العذاب يستحيل مجيئهما، و الجواب أن المراد بأمره و عذابه المأمور به و المعذب به من ميزان و نار و غيرهما، لكن لما كان إسناد المجىء للّه يوهم أن اللّه ذاته مجسمة احتيج للدليل العقلى بخلاف إسناد المجىء للأمر أو العذاب، فإنه لا بشاعة فيه
[١] الفجر: ٢٢.