حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٤٧٧
و أرسوا إنشاء لفظا و معنى؛ و هذا مثال لكمال الانقطاع بين الجملتين ...
هذا بيان لكمال الانقطاع، و عدم الوصل (قوله: و أرسوا إنشاء إلخ) أى لأنه أمر، و كل أمر كذلك حقيقة، أى و ذلك مانع من العطف باتفاق البيانيين، باعتبار مقتضى البلاغة، و ما يجب أن يراعى فيها.
و أما عند أهل اللغة ففيه الخلاف، فالجمهور على أنه لا يجوز، و اختاره ابن عصفور. و فى شرح الإيضاح، و ابن مالك فى باب المفعول معه فى شرح التسهيل، و جوزه الصفار و طائفة كأن يقال" حسبى اللّه و نعم الوكيل" بناء على أن إحدى الجملتين خبر و الأخرى إنشاء، و نقل أبو حيان عن سيبويه جواز عطف الجملتين المختلفتين بالاستفهام و الخبر، نحو" هذا زيد و من عمرو" قال بعضهم إن من منع العطف من أهل اللغة، فمنعه بالنظر للبلاغة و مراعاة المطابقة لمقتضى الحال، و من جوزه فتجويزه إذا لم تراع المطابقة لمقتضى الحال، و حينئذ فتجويزه بالنظر للغة لا بالنظر للبلاغة، فلا خلاف بين الفريقين، و فيه نظر؛ لأن الجائز لغة إذا لم يكن نادرا لا ينافى البلاغة، و إن أراد أن الفصل عند كمال الانقطاع واجب فى مقام ممتنع فى آخر فهذا مما لا يذكروه و لم يتعرضوا له أصلا تأمل.
(قوله: و هذا مثال إلخ) هذا جواب عما يقال اعتراضا على المصنف:" إن الكلام فى الجمل التى لا محل لها من الإعراب" و الجملتان فى البيت الذى مثّل به لهما محل من الإعراب؛ لأنهما معمولتان لقال، و حينئذ فالتمثيل غير مطابق.
و حاصل ما أجاب به الشارح أن هذا مثال لكمال الانقطاع بين الجملتين مع قطع النظر عن كونهما معا لا محل لهما من الإعراب، و الحاصل أن كمال الانقطاع نوعان: أحدهما: فيما ليس له محل من الإعراب و هذا يوجب الفصل، و الثانى: فيما له محل من الإعراب و هذا لا يوجبه، و هذا المثال من الثانى دون الأول، و حينئذ فهو مثال لمطلق كمال الانقطاع، لا الذى كلامنا فيه و هو ما يوجب الفصل، قال ابن يعقوب بعد كلام قرره: فتحصل مما تقرر أن منع العطف بين الإنشاء و الخبر له ثلاثة شروط:
أن يكون بالواو، و أن يكون فيما لا محل له من الإعراب من الجمل، و ألّا يوهم خلاف