حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ١٠٦
و المنفية تفيد تأكيد النفى و دوامه لا نفى التأكيد و الدوام كقوله تعالى: وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [١] ردا لقولهم آمَنَّا ...
بالنسبة للوجه الثانى؛ لأن المعتبر فيه تأكيد النفى و كذا هنا المعتبر تأكيد الثبوت (قوله: و المنفية تفيد تأكيد النفى) أى: استمرار الانتفاء و من هذا يتخرج الجواب عن النفى فى قوله تعالى:
وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [٢] بأن ترجع المبالغة إلى نفى الظلم، فالمعنى انتفى الظلم عن المولى انتفاء مبالغا فيه، فالجملة مفيدة لتأكيد النفى و المبالغة فيه لا لنفى التأكيد و المبالغة و إلا لاقتضت أن المنفى إنما هو المبالغة فى الظلم فيفيد ثبوت أصل الظلم و هو باطل.
(قوله: لا نفى التأكيد) إن قلت قضية قاعدة أن النفى يتوجه إلى القيد فى الكلام أن الجملة المنفية إنما تفيد نفى التأكيد، قلت هذا إذا اعتبر القيد سابقا على النفى، و أما إذا اعتبر سبق النفى كانت مفيدة لتأكيد النفى، و الحاصل أنه إذا اعتبر القيد سابقا على النفى أفادت نفى القيد غالبا، و تارة تفيد نفى المقيد، و تارة تفيد نفيهما معا عند الشارح خلافا للشيخ عبد القاهر حيث أوجب نفى القيد، و أما إذا اعتبر تقدم النفى فإنما تفيد تأكيد النفى أو يقال إن هذا- أى: إفادة تأكيد النفى- استعمال آخر للنفى كما قاله سم.
(قوله: ردا لقولهم آمَنَّا) بيان ذلك أن قولهم آمنا يفيد حدوث الإيمان منهم و صدوره فى الماضى و لو مرة؛ لأن الماضى يدل على الوقوع و الانقطاع فرد المولى سبحانه عليهم بقوله: وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ مؤكدا للنفى بالباء الزائدة فى الخبر، فالنفى ملحوظ أولا قبل التأكيد فهى مفيدة لتأكيد النفى، و المعنى حينئذ إيمانهم منفى نفيا مؤكدا و على هذا فقوله: وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ سالبة كلية مناقضة للموجبة الجزئية حكما، التى هى قولهم: آمَنَّا و ليس التأكيد ملحوظا أولا قبل النفى بحيث يكون الكلام من نفى التأكيد و إلا لم يكن ردا لقولهم؛ لأن نفى التأكيد يقتضى ثبوت أصل إيمانهم و هذا عين دعواهم.
[١] البقرة: ٨.
[٢] فصلت: ٤٦.