حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٤٦٠
...
فيه نظر؛ لأن عطف البيان فى الجمل لا بد فيه من وجود الإبهام الواضح فى الجملة الأولى كما سيأتى فى قول المصنف أو بيانا لها لخفائها، و لم يوجد هنا فى الجملة الأولى إبهام واضح، و من ثم ذهب بعضهم إلى أن جملة إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ تأكيد للجملة الأولى، أو بدل اشتمال منها، أو مستأنفة استئنافا بيانيا، و وجه الأولى أن الاستهزاء بالإسلام يستلزم نفيه، و نفيه يستلزم الثبات على الضلال الذى هو الكفر، و هو معنى قوله إِنَّا مَعَكُمْ و وجه الثانى:- و هو كون الثانية بدل اشتمال- أن الثبات على الكفر يستلزم تحقير الإسلام و الاستهزاء به فبينهما تعلق و ارتباط. و وجه الثالث: أن الجملة الثانية واقعة فى جواب سؤال مقدر تقديره إذا كنتم معنا فما بالكم تقرون لأصحاب محمد بتعظيم دينهم و باتباعه فقالوا إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ و ليس ما ترونه منا باطنيا.
فعلى هذا الاحتمال لو عطف عليها أيضا قوله اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ كانت الجملة مقولا لهم؛ لأن الجملة الاستئنافية لا تكون إلا مقولة لقائل المستأنف عنها.
و أجيب بأن مراد الشارح بالبيان البيان اللغوى و هو الإيضاح لا الاصطلاحى و لا شك أن كلا من التأكيد، و بدل الاشتمال، و الاستئناف يحصل به البيان المذكور، و أما التأكيد: فلأن فيه رفع توهم التجوز أو السهو و البدل فيه بيان المشتمل عليه بالصراحة. و الاستئناف: فيه بيان المسئول عنه المقدر كذا ذكر أرباب الحواشى لكن كلام الشارح فى شرح المفتاح يقتضى أن المراد بالبيان هنا الاصطلاحى؛ و ذلك لأنه قال الفرق بين الجمل الثلاث: أن فى الجملة البدلية استئناف القصة، و مزيد الاعتناء بالشأن، و فى الجملة البيانية مجرد إزالة الخفاء، و فى الجملة المؤكدة إزالة توهم التجوز أو السهو أو الغفلة، فنقول إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ إن اعتبر أنه باعتبار لازمه يقرر الثبات على اليهودية تكون مؤكدة، و إن اعتبر اشتماله على أمر زائد على الثبات على اليهودية، و هو تحقير الإسلام و تعظيم الكفر فيكون الاعتناء بشأنه أزيد تكون بدلا؛ لكونها وافية بتمام المراد دون الأولى، و إن اعتبر مجرد إزالة الخفاء عن المعية، و أن المراد منها المعية فى القلب لا فى الظاهر تكون عطف بيان، و إن اعتبر السؤال مقدرا كانت