حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ١٩٤
و فى كون هذا التقديم للتخصيص نظر؛ لأنه قد يكون مع الجهل بثبوت أصل الفعل كما إذا جاءك زيد و عمرو، ثم سألك سائل: ما فعلت بهما؟ فتقول: أما زيدا فضربته، و أما عمرا فأكرمته؛ فتأمل (و كذلك) أى: و مثل زيدا عرفت فى إفادة التخصيص (قولك: بزيد مررت) فى المفعول بواسطة لمن اعتقد أنك مررت بإنسان؛ و أنه غير زيد، ...
و يكون التركيب حينئذ مفيدا للتأكيد، و أجيب بأن الفعل المقدر هو الجواب و المذكور إنما هو مفسر له، و جواب أما لا بد من اقترانه بالفاء فلا يجوز أن يقدر بدونها و إلا لزم خلو الجواب عن الفاء و هو لا يجوز.
(قوله: و فى كون هذا التقديم) أى: الحاصل مع أما للتخصيص نظر أى: بل هو لإصلاح اللفظ (قوله: لأنه) أى: التقديم قد يكون مع الجهل بثبوت أصل الفعل أى:
و مع الجهل بذلك لا يتأتى التخصيص؛ لأنه إنما يكون عند العلم بأصل الفعل، و أيضا لو كان التقديم فى هذه الآية مفيدا للتخصيص كما قال المصنف لاقتضى أنه ليس أحد من الكفار هدى أى: دل على الطريق الموصل و استحب العمى على الهدى غير ثمود و ليس كذلك، و فى قول الشارح؛ لأنه قد يكون مع الجهل إشعار بأنه قد يكون مع العلم أيضا، و حينئذ فمنازعة الشارح للمصنف إنما هى فى كلية كون التقديم الحاصل مع أما للتخصيص (قوله: ثم سألك سائل ما فعلت بهما) أى: سألك سائل عن الفعل الذى تعلق بهما الصادر منك ما هو (قوله: فتقول أما زيدا إلخ) أى: فالسائل جاهل بالفعل و أنت لم ترد التخصيص، بل أردت بيان ما تعلق بهذين الرجلين، فالغرض من التركيب المذكور أعنى قولك: أما زيدا إلخ إفادة أصل الفعل المتعلق بهما و التقديم فيه لإصلاح اللفظ بالفعل بين أما و الفاء (قوله: فتأمل) أى: فتأمل فى هذا البحث ليظهر لك أنه ليس الغرض من الآية بيان أن ثمود هدوا فاستحبوا العمى على الهدى دون غيرهم ردا على من زعم انفراد غيرهم بذلك أو مشاركته لهم كما قال المصنف؛ لأن من المعلوم أن الكفار كلهم كذلك و إنما الغرض بيان أن أصل الهداية أى: الدعوة للحق حصلت لهم و الإخبار بسوء صنيعهم ليعلم أن إهلاكهم إنما كان بعد إقامة الحجة عليهم (قوله: