حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٥٠٥
اقتضته الأولى ...
قبل: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ [١]تقديره لم استغفر إبراهيم لأبيه؟ و قد اشتملت تلك الجملة الواقعة جوابا على الواو، و أجيب بأن الواو فى البيت و الآية للاستئناف لا للعطف، و ما قيل إنه لم يعهد دخول الواو على الجملة المستأنفة النحوية أعنى الجملة الابتدائية ففيه نظر، بل قد عهد ذلك كالواو فى قوله تعالى: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَ يَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [٢]برفع يذرهم كما صرح به فى المغنى، و أجيب أيضا بأن السؤال المعتبر فيه الفصل ما كان منشوء التردد فى حال المسئول عنه بأن حاله كذا أم لا بأن كان واردا على سبيل النقض كما فى الآية و نظائرها؛ و ذلك لأن المطلوب فى الأول بيان ما أجمل فيعتبر الاتصال الموجب للفصل، و فى الثانى دفع ما أورد فكان كل من الغرضين اللذين أديا بالسؤال و الجواب من طرف فكان المقام مقام وصل يقتضى المناسبة من وجه و المغايرة من وجه آخر.
هذا محصل ما ذكره أرباب الحواشى، إلا أن النقض على كلام المصنف بما تقدم للشارح فى المطول فى بحث الالتفات، و الجواب عنه بما ذكر ظاهر، و أما النقض بالآية ففيه شىء منشؤه الغفلة عن سبب النزول كما قاله العلامة عبد الحكيم، فإن الآية الأولى أعنى قوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِ إلخ نزلت فى منع الرسول عليه السّلام من الاستغفار لعمه و منع المؤمنين من الاستغفار لآبائهم محتجين فى ذلك بأن إبراهيم استغفر لأبيه على ما فى الكشاف، فالآية الأولى منع لهم عن الاستغفار للآباء و الأقربين و الثانية جواب لتمسكهم باستغفار إبراهيم، فعطف الثانية على الأولى للتناسب و ليست جوابا عن سؤال نشأ من الآية الأولى- تأمل ذلك.
(قوله: اقتضته الأولى) أى: اشتملت عليه و دلت عليه بالفحوى، و ذلك لكونها مجملة فى نفسها باعتبار الصحة و عدمها كما فى المثال السابق أعنى قوله: و تظن سلمى إلخ،
[١] التوبة: ١١٣.
[٢] الأعراف: ١٨٦.