حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٤١٧
فى وسعه، لكنه يتمنى ذلك تخلصا عما عرض له فى الليل من تباريح الجوى و لاستطالته تلك الليلة كأنه لا طماعية له فى انجلائها؛ فلهذا يحمل على التمنى دون الترجى.
(و الدعاء) أى: الطلب على سبيل التضرع (نحو: رَبِّ اغْفِرْ لِي [١]،
الليلة إشارة إليه، و المراد بالانجلاء: الانكشاف، و بالإصباح: ظهور ضوء الصبح و هو الفجر و أول النهار، فكأنه يقول: انكشف أيها الليل الطويل طولا لا يرجى معه الانكشاف، و قوله: و ما الإصباح منك بأمثل أى: بأفضل كلام تقديرى، كأنه يقول هذا الليل لا طماعية فى زواله لطوله طولا لا يرجى معه الانكشاف و على تقدير الانكشاف، فالإصباح لا يكون أفضل منه عندى لمقاساتى الهموم و الأحزان فيه كما أقاسيها فى الليل، فالليل قد شارك النهار فى مقاساة الهموم لاشتراكهما فى علتها و هى فراق الحبيب فطلب النهار ليس لخلوه عنها، بل لأن بعض الشر أهون من بعض (قوله: فى وسعه) أى: وسع الليل و قد يقال: إنه يجوز التكليف بما ليس فى الوسع؛ لأن التكليف بالمحال جائز فيمكن أن يكون هذا منه، فالأحسن فى التعليل أن يقول؛ لأن الليل ليس مما يؤمر و يخاطب؛ لأنه ينبغى أن يكون المكلف عاقلا يفهم الخطاب (قوله: يتمنى ذلك) أى: الانجلاء فكأنه يقول ليتك تنجلى (قوله: من تباريح الجوى) التباريح بالحاء المهملة الشدائد جمع تبريح بمعنى الشدة و الجوى بالجيم الحرقة و شدة الوجد من حزن أو عشق (قوله: و لاستطالته إلخ) علة مقدمة على المعلول و هو قوله كأنه لا طماعية أى: و كأنه لا طماعية له فى انجلاء تلك الليلة لاستطالتها أى: لعدها طويلة جدا و هو عطف على طوله إذ ليس فى وسعه فهو دليل آخر على أنه ليس الغرض طلب الانجلاء فكان للتعليل (قوله: فلهذا) أى: فلأجل عدم الطماعية فى الانجلاء و الانكشاف حمل الأمر على التمنى ليناسب حال التشكى من الأحزان و الهموم و شدتها؛ لأنه لا يناسبها إلا عدم الطماعية فى انجلاء الليل؛ و ذلك لأنها لكثرتها و لزومها لليل يعد الليل معها مما لا يزول، و لذا جرت العادة بأن من وقع فى ورطة و شدة يتسارع بالإياس و يتشكى منها مظهرا لبعد النجاة و ما لو كانت مرجوة الانكشاف لم تستحق التشكى من ليلها الملازمة له (قوله: و الدعاء) هو كما قال الشارح الطلب
[١] الأعراف: ١٥١.