حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٧١
(و) نحو: (قوله تعالى: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [١] ...
الجمع بالواو و الياء و النون خاصة بالذكور، و نكتة هذا التغليب الإشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال حتى عدت- أى مريم- من جملتهم و أدخلت فى التعبير عنهم، و اعلم أن التغليب فى الآية مبنى على أن من تبعيضية، أما إذا كانت لابتداء الغاية، و المعنى و كانت مريم مبتدأة و ناشئة من القوم القانتين؛ لأنها من نسل إبراهيم و إسحاق و يعقوب و من ذرية هرون أخى موسى فلا يتعين التغليب، إذ المراد بالقانتين محض الذكور من آبائها و الوجه الأول أعنى جعل من تبعيضية و ارتكاب التغليب فى الآية أحسن لفوات نكتة التغليب المذكور على الوجه الثانى، و فوات وصفها بجهات الفضل؛ لأن كونها من أعقاب الأنبياء الكرام القانتين لا يستلزم كونها قانتة، و الغرض وصفها بالحسب أى:
بالفضل و الصلاح لا بالنسب.
(قوله: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) اعترض بأن هذا من قبيل الالتفات لا من قبيل التغليب؛ و ذلك لأن قوم اسم ظاهر غائب، فلما عدل عنه إلى الخطاب فى تجهلون فقد تحقق الالتفات، و أجيب بأنا لا نسلم أنه من الالتفات؛ و ذلك لأن لفظ قوم له جهتان جهة غيبة و جهة خطاب و مراعاة كل منهما جرى على مقتضى الظاهر فلا يكون التفاتا؛ و ذلك لأن قوما اسم ظاهر غائب، و قد حمل على أنتم فصار عبارة عن المخاطبين ثم إنه وصف بتجهلون اعتبارا لجهة خطابه الحاصلة بحمله على أنتم و ترجيحا لها على جهة غيبته الثابتة له فى نفسه؛ لأن الخطاب أشرف و أدل و جانب المعنى أقوى و أكمل، و هذا فى الحقيقة اعتبار لجانب المعنى و ترجيح له على جانب اللفظ و بهذا القدر لا يتغير الأسلوب و لا يتحقق النقل من طريق إلى طريق آخر الذى هو الالتفات، و بهذا يتضح صحة أنه من التغليب على ما فى الشارح.
قال ابن جماعة: و فى جعل هذا من التغليب نظر، إذ هذا من ملاحظة المعنى و ترجيحه على اللفظ، و مثل هذا لا يعد تغليبا، إذ لا يصدق على هذا ضابطه المتقدم عن صاحب البيان أعنى: ترجيح أحد المعلومين على الآخر فى إطلاق لفظه عليهما- فتأمل.
[١] النمل: ٥٥.