حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٦٥١
لتيقن الشجاع بعدم الهلاك، و تيقن الصابر بزوال المكروه، بخلاف الباذل ماله إذا تيقن بالخلود و عرف احتياجه إلى المال دائما فإن بذله حينئذ أفضل مما إذا تيقن بالموت و تخليف المال. و غاية اعتذاره ما ذكره الإمام ابن جنى؛ و هو أن فى الخلود و تنقل الأحوال فيه من عسر إلى يسر، و من شدة إلى رخاء ...
لم يكن له فضل؛ لأن الناس كلهم إذا علموا أنه لا موت بتلك الشدة صبروا حرصا على تلك الفضيلة أعنى فضيلة نفى الجزع، إذ ليست تلك الشدة مفضية إلى الموت الذى هو أعظم مصيبة و ما دونها جلل، و مع ذلك لا بد أن تزول عادة بخلاف ما إذا علم الإنسان أن تلك الشدة ربما أفضت إلى الموت الذى هو أشد الشدائد و مع ذلك يصبر عليها، فهذا لا يتصف به إلا القليل من الناس فيثبت له الفضل باختصاصه بما لا طاقة لكل أحد عليه و أما استلزام وجود الموت لفضيلة الكرم و استلزام نفى الموت لنفى فضيلة الكرم فغير صحيح؛ لأن المتبادر أن فضل الكرام إنما يكون عند نفى الموت لا عند وجوده؛ لأن الإنسان إذا علم أنه لا يموت و مع ذلك يتكرم حتى يبقى معدما، و العدم مما يؤدى إلى فضيحة و مقاساة شدائد دائمة فلا يكاد يوجد على هذه الحالة إلا النادر فيثبت له الفضل لاختصاصه بما لا طاقة لكل أحد عليه، و أما إذا تيقن وجود الموت و ترك المال هان عليه بذله و عدم بقائه للورثة بعده و هذا مما يكثر مرتكبه فلا فضل فيه (قوله: لتيقن الشجاع بعدم الهلاك) أى: فلا يكون له فضل باقتحامه الدخول فى المعركة لاستواء الناس جميعا فى ذلك (قوله: و تيقن الصابر بزوال المكروه) أى:
بحسب العادة و عدم الهلاك بتلك الشدة فلا فضل فيه؛ لأن الناس كلهم إذا تيقنوا ذلك صبروا حرصا على فضيلة عدم الجزع (قوله: فإن بذله حينئذ أفضل) أى: لأن الخلود يوجب الحاجة لزيادة المال (قوله: مما إذا تيقن بالموت و تخليف المال) أى: لأنه جدير بأن يجود بماله.
(قوله: و غاية اعتذاره) الضمير عائد على الحشو و الكلام من باب الحذف و الإيصال أى: غاية الاعتذار عن ذلك الحشو بحيث يخرجه عن الفساد فحذف الجار و اتصل الضمير بالمصدر (و قوله ما ذكره ابن جنى) أى: فى شرح ديوان المتنبى، و حاصل