حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٥٤٢
من غير أن تتأدى إليها من طرق الحواس؛ ...
فإنها تدرك صور المحسوسات بواسطة الحس المشترك، و بهذا يندفع ما يقال: إذا قيل زيد إنسان، فإما أن يكون الحاكم الحس المشترك فيرد عليه أنه إنما يدرك زيدا فقط و لا يدرك النسبة و لا المحمول الكلى- فكيف يصح الحكم منه؟ و الحاكم يجب أن يدرك الطرفين، و إما أن يكون الحاكم الواهمة فيرد عليه أنها لا تدرك الموضوع و لا المحمول، فكيف تحكم؟ و إما أن يقال: الحاكم العقل- فيرد عليه أنه لا يدرك الموضوع و لا النسبة- فكيف يحكم؟ و حاصل الجواب: أنّا نختار الأخير- و هو أن الحاكم العقل، و قولكم: إنه لا يدرك الموضوع و لا النسبة إن أريد أنه لا يدركهما أصلا لا بالذات و لا بالواسطة فهو ممنوع، إذ الموضوع الجزئى يدركه بواسطة تجريده عن العوارض الجسمانية و النسبة يدركها بواسطة الواهمة، و إن أريد أنه لا يدركهما بالذات فمسلم، لكن الحكم لا يتوقف على ذلك، إذ المدار على كون الحاكم مدركا للطرفين و لو بالواسطة، و يندفع أيضا ما يقال: إن المعانى الجزئية نسب منتزعة من الصور فتعقلها متوقف على تعقل صور المحسوسات- فكيف تدركها الواهمة من غير إدراك الصور؟
و حاصل الدفع أن إدراكها للعداوة مثلا التى هى أمر جزئى يتأدى بغير طرق الحواس بذاتها و إدراكها للذئب- مثلا- الذى هو صورة يتأدى بواسطة الحواس الظاهرة بواسطة الحس المشترك؛ لأن القوى الباطنية كالمراءى المتقابلة ينعكس إلى كل ما ارتسم فى الأخرى، هذا و الموافق لما تقدم من أن الوهمية سلطان القوى، و أن لها التصرف فى مدركاتها أن الحاكم إنما هو تلك القوة- هذا محصل ما فى شرح شيخنا الشيخ الملوى لألفيته، و هو مبنى على أن تلك القوى حقيقة، و الذى صرح به بعض المحققين كالسيد فى حاشية شرح المطالع أن المدرك للكليات و الجزئيات- سواء كانت صورا أو معانى- إنما هو النفس الناطقة لكن بواسطة هذه القوى و أن نسبة الإدراك لهذه القوى كنسبة القطع إلى السكين فى يد صاحبه، فإذا قيل لقوة من تلك القوى إنها مدركة لكذا، فالمراد أنها آلة لإدراكه، و على هذا فلا يرد شىء من البحثين السابقين، فإذا قلت زيد إنسان، فالحاكم النفس و هى تدرك الجميع بآلات مختلفة (قوله: من غير أن تتأدى) أى: