حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٤١٤
نحو: كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً [١]) إذ ليس الغرض أن يطلب منهم كونهم قردة أو حجارة لعدم قدرتهم على ذلك، لكن فى التسخير يحصل الفعل؛ أعنى:
صيرورتهم قردة، و فى الإهانة لا يحصل؛ إذ المقصود قلة المبالاة بهم.
و الإهانة اللزوم؛ لأن طلب الشىء من غير قصد حصوله لعدم القدرة عليه مع كونه من الأحوال الخسيسة يستلزم الإهانة أو العلاقة المشابهة فى مطلق الإلزام؛ لأن الوجوب إلزام المأمور و الإهانة إلزام الذل و الهوان- تأمل.
(قوله: نحو كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً) أى: و نحو: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [٢] لأنه ليس المراد الأمر بذوقه العذاب؛ لأن الكافر حال الخطاب بالصيغة فى غصص المذوق و محنه.
(قوله: إذ ليس إلخ) علة لمحذوف أى: فالغرض من الأمرين التسخير و الإهانة، لا الطلب إذ ليس إلخ (قوله: لكن فى التسخير) لما أفاد اشتراك التسخير و الإهانة فى عدم القدرة فربما يتوهم عدم الفرق بينهما، و حينئذ فلا وجه لكون الأمر فى المثال الأول للتسخير، و فى الثانى: للإهانة، فاستدرك على ذلك ببيان الفرق، و حاصل ما ذكره من الفرق بين التسخير و الإهانة اللذين دلت على إرادتهما القرائن فى الأمرين أن التسخير يحصل فيه الفعل حال إيجاد الصيغة، فإن كونهم قردة أى: مسخهم و تبديلهم بحال القردة واقع حال إيجاد الصيغة و الإهانة لا يحصل فيها الفعل أصلا؛ لأن المقصود فيها تحقير المخاطبين و قلة المبالاة بهم لا حصول الفعل فقول الشارح، لكن فى التسخير يحصل الفعل أى: حال إيجاد الصيغة و قوله و فى الإهانة لا يحصل أى: الفعل أصلا و قوله، إذ المقصود أى: من الإهانة قلة المبالاة بهم أى: لا حصول الفعل، و اعلم أن التحقير قريب من الإهانة و قد استعملت صيغة الأمر فيه فى قوله تعالى حكاية عن موسى ألقوا ما أنتم ملقون أى: إن ما جئتم به من السحر حقير بالنسبة للمعجزة، و إنما قلنا: إنه قريب منها؛ لأن كل محتقر فى الاعتقاد، أو فى الظاهر فهو مهان فى ذلك الاعتقاد، أو الظاهر و إن كانت الإهانة إنما تكون بالقول أو بالفعل و الاحتقار كثيرا ما يقع فى الاعتقاد، و الحاصل
[١] الإسراء: ٥٠.
[٢] الدخان: ٤٩.