حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٤١٣
نحو: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [١] و الإهانة، ...
أخرى أخس من الأولى، و التكوين: الإنشاء من العدم إلى الوجود، و يوجد استعمال صيغة الأمر فيه كقوله تعالى: كُنْ فَيَكُونُ [٢] و التعبير عن الإيجاد بكن إيماء إلى أنه يكون فى أسرع لحظة، و أنه طائع لما يراد، فكأنه إذا أمر ائتمر و يحتمل أن يكون التكوين أعم بأن يراد به مطلق التبديل إلى حالة لم تكن و يراد بالتسخير ما تقدم أى: التبديل من حالة إلى أخرى فيها مهانة و مذلة. اه كلامه.
و على هذا فالعلاقة بين الطلب و التسخير المشابهة فى مطلق الإلزام، فإن الوجوب إلزام المأمور و التسخير إلزام الذل و الهوان (قوله: خاسِئِينَ) أى: صاغرين مطرودين عن ساحة القرب و العز و وصف القردة به لتأكيد ما تضمنه معناه، و يصح أن يكون خاسئين خبرا بعد خبر لكان أى: كونوا جامعين بين القردة، و الخسء أى:
الصغار و الطرود، و لا يرد على هذا أن المبتدأ لا يقتضى أكثر من خبر واحد من غير عطف إلا بشرط أن يكون الخبران فى معنى خبر واحد نحو: هذا حلو حامض، و قردة خاسئين: ليس من هذا؛ لأن كل واحد منهما مستقل بإفادة الصغار و الذل، فالذى يفهم من مجموعهما يفهم من كل واحد منهما؛ لأنا نقول الحق أن الأخبار المتعددة إذا لم تكن فى معنى الخبر الواحد يجوز فيها العطف و عدمه و منه و هو الغفور الودود الآية، و يصح أن يكون خاسئين حالا من اسم كان، و لا يراد على هذا أن كان لا تعمل إلا فى المبتدأ و الخبر؛ لأن عدم عمل كان فى الحال مبنى على عدم دلالتها على الحدث، و الصحيح دلالتها عليه، و اعلم أن صيغة الأمر إذا استعملت فى التسخير أو فى الإهانة الآتية يحتمل أن تكون إنشاء أى: إظهار لمعناها و هو الذلة و الحقارة، و يحتمل أن تكون إخبارا بالحقارة و المذلة فكأنه قيل على هذا هم بحيث يقال فيهم إنهم أذلاء محتقرون ممسوخون و كونها للإخبار فى الإهانة أظهر منه فى التسخير (قوله: و الإهانة) و هى إظهار ما فيه تصغير المهان و قلة المبالاة به، و حاصله أن صيغة الأمر ترد للإهانة و ذلك إذا استعملت فى مقام عدم الاعتداد بشأن المأمور على أى وجه كان و العلاقة بين الأمر
[١] البقرة: ٦٥.
[٢] يس: ٨٢.