حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٤٠٨
(و التهديد) أى: التخويف و هو أعم من الإنذار لأنه إبلاغ مع التخويف،
فأبيح له مجالستهما و تفارق الإباحة التخيير الذى قد تستعمل فيه صيغة الأمر أيضا، و يمثلون له بنحو هذا التركيب بأنه لا يجوز الجمع بين الأمرين فى التخيير دون الإباحة، ثم إن ظاهر المصنف كالأصوليين أن مفيد الإباحة هو الصيغة و أو على هذا قرينة على ذلك و عند النحويين أن مفيد الإباحة أو، و لكن التحقيق أن المستفاد من الصيغة مطلق الإذن، و المستفاد من أو الإذن فى أحد الشيئين أو الأشياء، و ما وراء ذلك من جواز الجمع بينهما و امتناعه إنما هو بالقرائن (قوله: و التهديد) و ذلك إذا استعملت صيغة الأمر فى مقام عدم الرضا بالمأمور به و العلاقة بين الطلب و التهديد الموجبة لاستعمال لفظه فيه ما بينهما من شبه التضاد باعتبار المتعلق؛ و ذلك لأن المأمور به إما واجب، أو مندوب، و المهدد عليه إما حرام، أو مكروه، و لهذا يقال التهديد لا يصدق إلا مع المحرم و المكروه، و قرر بعضهم: أن العلاقة بينهما السببية؛ لأن إيجاب الشىء يتسبب عنه التخويف على مخالفته أو المشابهة بجامع ترتب العذاب على كل من الأمر و التهديد عند الترك، و لا يخفى تقرير الاستعارة (قوله: أى التخويف) يعنى مطلقا سواء كان بمصاحبة وعيد مبين أو مجمل، فالأول كأن يقول السيد لعبده: دم على عصيانك، فالعصا أمامك، و الثانى كما فى قوله تعالى:
اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [١] أى: فسترون منا ما هو أمامكم، فهذا يتضمن وعيدا مجملا، و إنما كان هذا تهديدا لظهور أنه ليس المراد أمرهم بكل عمل شاءوا؛ و لأن قرائن الأحوال دالة على أن المراد الوعيد لا الإهمال (قوله: و هو أعم من الإنذار) أى:
فيكون الإنذار داخلا فى التهديد، فلذا لم ينص عليه (قوله: لأنه إبلاغ إلخ) أى: لأن الإنذار إبلاغ مصحوب بالتخويف و كان الأوضح؛ لأنه تخويف مع إبلاغ، و ذلك كما قيل فى قوله تعالى: قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ [٢] فصيغة تمتعوا مع ما بعدها تخويف بأمر مع إبلاغه عن الغير، و التهديد هو التخويف مطلقا سواء كان مصحوبا بإبلاغ أو لا بأن كان من عند نفسه فيكون أعم من الإنذار؛ لأنه تخويف مقيد و المقيد
[١] فصلت: ٤٠.
[٢] إبراهيم: ٣٠.