حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٢٨٦
فلهذا أثبتوا البشرية لأنفسهم.
و أما إثباتها بطريق القصر فليكون على وفق كلام الخصم (و كقولك) عطف على قوله: كقولك لصاحبك؛ ...
شيئا؛ لأنها لا دخل لها فى مطلوبكم و لا تنافى مطلوبنا، و نظير ذلك أن يقال لمن قال أنا أعرف العربية ما أنت إلا أعجمى الأصل أى: لا عربى فيقول ذلك القائل: ما أنا إلا أعجمى الأصل كما قلتم، و لكن يجوز فى حق اللّه أن يعلم العربية لمن شاء من عباده، لكن استعمال المجاراة فى الأول أكثر.
(قوله: فلهذا) أى: فلعدم التنافى (قوله: و أما إثباتها إلخ) جواب عما يقال: إنه كان يكفى فى المجاراة أن يقولوا: نحن بشر مثلكم فالنفى و الاستثناء لغو، إذ ليس المراد إلا مجرد إثبات البشرية (قوله: على وفق كلام الخصم) أى: فى الصورة فيكون فى الكلام مشاكلة و هذا أقوى فى المجاراة، و على هذا يكون الحصر غير مراد، بل هو صورى فقط و الصيغة مستعملة فى أصل الإثبات على وجه التجريد و استعمال اللفظ فى بعض معناه و هو الإثبات دون النفى، و حاصل ما ذكره الشارح من التوجيه أن الرسل لم يريدوا القصر، بل أصل الإثبات على سبيل التجريد و إنما عبروا بصيغة القصر لموافقة كلام الخصم، و قد يقال: لا يلزم من كون كلامهم على وفق كلام الخصم عدم إرادة الحصر، فالأحسن فى التوجيه أن يقال:
إن القصر مراد لهم؛ لأن الكفار لما ادعوا أن الرسول لا يكون إلا ملكا لا بشرا نزلوهم فى دعواهم الرسالة منزلة من يدعى الملكية و ينكر البشرية فقالوا: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا بمعنى: ما أنتم إلا مقصورون على البشرية و ليس لكم وصف الملكية، فأجابهم الرسل بقولهم:
إن نحن إلا بشر مثلكم أى: ما نحن إلا مقصورون على البشرية و ليس لنا وصف الملكية كما تقولون، لكن لا ملازمة بين البشرية و نفى الرسالة كما تعتقدون، فإن اللّه تعالى يمن على من يشاء من عباده بخصوصية الرسالة و لو كانوا بشرا، و حينئذ فقول الرسل المذكور ليس فيه انتفاء الرسالة، بل تسليم انتفاء الملكية فيكون من باب المجاراة و إلزامهم بقولهم: وَ لكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ[٧٢] إلا أنه يرد على هذا التوجيه أن يقال: كيف صح القصر
[١] إبراهيم: ١١.