حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٢٨٤
لما اعتقدوا اعتقادا فاسدا من التنافى بين الرسالة و البشرية، فقلبوا هذا الحكم بأن قالوا: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا أى: مقصورون على البشرية؛ ليس لكم وصف الرسالة التى تدعونها، و لما كان هنا مظنة سؤال؛ و هو أن القائلين قد ادعوا التنافى بين البشرية و الرسالة و قصروا المخاطبين على البشرية، و المخاطبون قد اعترفوا بكونهم مقصورين على البشرية حيث قالوا: إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ فكأنهم سلموا انتفاء الرسالة عنهم؛ أشار إلى جوابه بقوله: (و قولهم) أى: قول الرسل المخاطبين (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ[٧٠] من باب (مجاراة الخصم) و إرخاء العنان إليه بتسليم بعض مقدماته (ليعثر) الخصم؛ ...
المتكلم صاروا بحسب اعتقاد المتكلمين بمنزلة من ادعى نفى البشرية صريحا؛ لأنهم فى اعتقادهم ادعوا ما يستلزم نفيها و هو الرسالة و لا فرق بين من ادعى نفى شىء و من ادعى ما يستلزم نفيه، و لذلك جعلوهم منكرين للبشرية و خاطبوهم بما خاطبوهم فظهر من هذا أن القصر فى هذا المثال مبنى على مراعاة حال المتكلم و المخاطب بخلاف المثال السابق، فإن القصر فيه مبنى على رعاية حال المخاطب فقط.
(قوله: لما اعتقدوا) بتخفيف الميم و قوله من التنافى إلخ بيان لما و إنما اعتقدوا التنافى؛ لأن الرسول لجلالة قدره ينزه فى رأيهم عن البشرية، و انظروا خسافة عقولهم حيث لم يرضوا ببشرية الرسول و رضوا للإله أن يكون حجرا (قوله: فقلبوا) أى:
القائلون و قوله هذا الحكم أى: المستلزم لنفى البشرية بحسب زعمهم (قوله: قد ادعوا التنافى) أى: بحسب زعمهم (قوله: حيث قالوا إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أى: لا ملائكة (قوله: فكأنهم سلموا انتفاء الرسالة عنهم) أى: مع أنه ليس كذلك (قوله: من باب مجاراة الخصم) أى: مماشاته و الجرى معه فى الطريق من غير مخالفة فى السلوك، و مثاله أن تريد إزلاق صاحبك فتماشيه فى الطريق المستقيم حتى إذا وصلت إلى مزلقة أزلقته (قوله: و إرخاء العنان) عطف لازم (قوله: بتسليم بعض مقدماته) الباء للسببية متعلقة بمجاراة الخصم؛ لأنه إذا سلم له بعض مقدماته كان ذلك وسيلة لاصغائه لما يلقى
[١] إبراهيم: ١١.