الحج في الشريعة الإسلامية الغراء - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٧٤ - الأمر الثالث هل كان النبي
..........
و هنا سؤال و هو أنّ النبي ٦ إذا كان قارنا فلما ذا قدّم بعض أعمال الحجّ حيث نزل جبرئيل بعد فراغه من السعي؟ مع أنّ وظيفة القارن هو الذهاب إلى عرفات دون أن يأتي بشيء من أعمال الحجّ مقدّما على الوقوف في عرفات.
فقد أجاب عنه الفاضل الاصبهاني بأنّ معظم العلماء نزّلوها على أنّه ٦ إنّما طاف طواف الحجّ و سعى سعيه، مقدّما على الوقوفين و أمر أصحابه بالعدول إلى العمرة، و قال: دخلت العمرة في الحجّ، أي حجّ التمتع، و وجه ذلك أنّ الناس لم يكونوا يعتمرون في أيام الحجّ، و الأخبار الناطقة بأنّه ٦ أحرم بالحجّ وحده كثيرة.
و قد خرج على خروج العرب الأول، لأنّ العرب كانت لا تعرف إلّا الحجّ، و هو في ذلك ينتظر أمر اللّه عزّ و جلّ، و هو ٦ يقول: «الناس على أمر جاهليتهم إلّا ما غيّره الإسلام» و كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحجّ، و هذا الكلام من رسول اللّه ٦ إنّما كان في الوقت الذي أمرهم بفسخ الحجّ، فقال: «دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة»- و شبّك بين أصابعه- يعني في أشهر الحجّ، قال فضيل:
قلت: أ فنتعبّد بشيء من الجاهلية؟ فقال: «إنّ أهل الجاهلية ضيّعوا كلّ شيء عن دين إبراهيم ٧، إلّا الختان و التزويج و الحجّ، فإنّهم تمسّكوا بها و لم يضيّعوها». [١]
و الحاصل: أنّ العرب في العصر الجاهلي لم يكونوا يعتمرون في أشهر الحجّ و كانوا يحرمون للحجّ، و قد أحرم أصحابه ٦ بهذه النيّة، كما أنّ الظاهر أنّ رسول اللّه أحرم بهذه النية، فلمّا قدّم النبي ٦ السعي على الوقوفين نزل جبرئيل بإدخال العمرة في الحجّ، و جعل ما أتوا به من أعمال الحجّ، عمرة، و أمر ٦ أصحابه بالإحلال، و انّه ٦ لم يحلّ لسوقه الهدي، فإنّ سائقه لا يحل حتّى يبلغ الهدي محله.
و من هنا يعلم أنّ تشريع حجّ التمتّع في الإسلام كان في السنة العاشرة، و لم
[١]. كشف اللثام: ٥/ ٢١- ٢٢؛ علل الشرائع: ٢/ ٤١٤، الحديث ٣.