هدى الطالب في شرح المكاسب - المروج الجزائري، السيد محمد جعفر - الصفحة ١٥٩ - ما استدل به على ولاية الفقيه بمعنى الاستقلال في التصرف
و في مشهورة أبي خديجة: «جعلته عليكم قاضيا» [١].
و قوله (١) (عجّل اللّه فرجه): «هم حجّتي عليكم، و أنا حجّة اللّه» [٢].
المكاتبة من أنّه (عليه السلام) كتب بخطّه: «الحكام القضاة». فالمستفاد المتيقن من المقبولة و المشهورة هو منصب القضاء، دون الولاية المطلقة للفقيه [١].
(١) يدل هذا التوقيع الشريف على أنّ الراوي- المراد به الفقيه- هو المرجع و الحاكم في كلّ حادثة يرجع فيها كلّ قوم إلى رئيسهم. و من المعلوم أنّ في «الحوادث» السياسيات و الشرعيات. و لا فرق فيها بين ما يرتبط بشخص خاصّ أو بنظام المجتمع كالمعاهدة مع الأجانب في إخراج المعادن و إجراء عقد الذمة و أخذ الجزية من أهل الذمة، و غير ذلك ممّا يرجع فيه إلى الحكومة. و هذا معنى كون الفقيه حاكما مطلقا من ناحية من هو حجة من اللّه تعالى و مسلّط على عوالم الوجود كلّها، أرواحنا فداه و عجّل
[١] إلّا أن يقال: انّ لفظ «الحاكم» في صدر المقبولة ظاهر في السلطان الذي يحكم بين الناس بالسيف و السّوط، و ليس ذلك شأن القاضي. فالحاكم و إن أطلق أحيانا على القاضي، إلّا أنّ المراد به هنا هو السلطان بقرينة العطف الظاهر في المغايرة في كلام السائل، حيث قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا تنازعا في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان، أو إلى القضاة أ يحلّ ذلك؟» و الامام (عليه السلام) قرّره على ذلك.
و الحاصل: أنّ مغايرة المعطوف و المعطوف عليه قرينة على عدم إرادة القاضي من السلطان، فإذا اجتمعا افترقا، و إذا افترقا اجتمعا. و جعل السلطان حاكما ظاهر في الولاية العامة الموجبة لإقامة الجمعة و إجراء الحدود، و أخذ الزكاة قهرا، و نظم البلاد، و غير ذلك ممّا هو شأن الحكومة، دون القاضي.
و عليه فما ذكرناه في (ص ١٣٥) من قولنا: «لكن الظاهر أنّ هذه الروايات الثلاث في مقام جعل منصبي القضاء و الإفتاء للفقيه دون الولاية المطلقة .. إلخ» لا يخلو من شيء، فإنّ الأوفق بالقواعد العربية ما ذكرناه هنا، فتأمّل جيّدا.
[١] وسائل الشيعة، ج ١٨، ص ١٠٠، الباب ١١ من أبواب صفات القاضي، ح ٦
[٢] إكمال الدين، ص ٤٨٤، الباب ٤٥، ح ٤، وسائل الشيعة، ج ١٨، ص ١٠١، ح ٩، رواه عن إكمال الدين و الغيبة.