مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٨٥٨ - (١) باب رسالته (عليه السلام) إلى أصحابه
و عليكم بالصمت إلّا فيما ينفعكم اللّه به من أمر آخرتكم، و يأجركم عليه؛
و أكثروا من التهليل و التقديس و التسبيح، و الثناء على اللّه، و التضرّع إليه، و الرغبة فيما عنده من الخير الّذي لا يقدّر قدره، و لا يبلغ كنهه أحد؛
فاشغلوا ألسنتكم بذلك عمّا نهى اللّه عنه، من أقاويل الباطل الّتي تعقّب أهلها خلودا في النار، من مات عليها، و لم يتب إلى اللّه، و لم ينزع عنها.
و عليكم بالدعاء، فإنّ المسلمين لم يدركوا نجاح الحوائج عند ربّهم بأفضل من الدعاء، و الرغبة إليه، و التضرّع إلى اللّه و المسألة له، فارغبوا فيما رغّبكم اللّه فيه، و أجيبوا اللّه إلى ما دعاكم إليه، لتفلحوا و تنجوا من عذاب اللّه؛
و إيّاكم أن تشره [١] أنفسكم إلى شيء ممّا حرّم اللّه عليكم، فإنّه من انتهك ما حرّم اللّه عليه هاهنا في الدنيا، حال اللّه بينه و بين الجنّة و نعيمها و لذّتها و كرامتها القائمة الدأئمة لأهل الجنّة أبد الآبدين.
و اعلموا أنّه بئس الحظّ الخطر لمن خاطر اللّه بترك طاعة اللّه و ركوب معصيته، فاختار أن ينتهك محارم اللّه في لذّات دنيا منقطعة، زائلة عن أهلها على خلود نعيم في الجنّة و لذّاتها و كرامة أهلها، ويل لأولئك، ما أخيب حظّهم! و أخسر كرّتهم! و أسوأ حالهم عند ربّهم يوم القيامة! استجيروا اللّه أن يجيركم في مثالهم أبدا، و أن يبتليكم بما ابتلاهم به، و لا قوّة لنا و لكم إلّا به.
فاتّقوا اللّه أيّتها العصابة الناجية، إن أتمّ اللّه لكم ما أعطاكم به، فإنّه لا يتمّ الأمر حتّى يدخل عليكم مثل الّذي دخل على الصالحين قبلكم، و حتّى تبتلوا في أنفسكم و أموالكم، و حتّى تسمعوا من أعداء اللّه أذى كثيرا، فتصبروا و تعركوا [٢] بجنوبكم، و حتّى يستذلّوكم و يبغضوكم، و حتّى يحمّلوا عليكم الضيم، فتحمّلوا منهم، تلتمسون بذلك وجه اللّه و الدار الآخرة، و حتّى تكظموا الغيظ الشديد في الأذى في اللّه عزّ و جلّ يجترمونه [٣] إليكم، و حتّى يكذّبوكم بالحقّ و يعادوكم فيه، و يبغضوكم عليه، فتصبروا
[١] شره: غلب حرصه.
[٢] يقال: عرك الأذى بجنبه أي احتمله.
[٣] أي يكتسبونه و يحملونه، يقال: اجترم لأهله: اكتسب.