مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٦ - المقدمة
يتصوّر حجم الفراغ الهائل الّذي سيصيب تراثنا فيما لو رفعت أحاديثه (عليه السلام) الّتي آثرناها من أبواب العلوم المختلفة في الفقه و التفسير و المعارف و الطبّ و الأخلاق و الاحتجاج و و و!!!
و حقّا إنّه (عليه السلام) قد بهر بموسوعة علومه العجيبة، و مثال سيرته الحسيبة، و نموذج شخصيّته المهيبة القاصي و الداني- من لدن عصره حتّى الوقت الحاضر-، فأطلقوا كلمات التبجيل، و عبارات التجليل، و الشهادات الثمينة بحقّه سيّما حكّامهم و أئمّتهم ...
قال مالك بن أنس: ما رأت عين، و لا سمعت اذن، و لا خطر على قلب بشر أفضل من «جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام) علما و عبادة و ورعا».
و قال أبو حنيفة: «ما رأيت أفقه من جعفر بن محمّد (عليهما السلام)» و قال، و قال و و ...
فهل لأحد بعد هذا ممّن له أدنى بصر أو بصيرة أن ينسب هذا العلم، و تلكم القدرة إلى الاكتساب و التعلّم و الأخذ من الآخرين!؟ لا، و ألف لا، كيف، و قد رأى بامّ عينيه، أو سمع بملء اذنيه كيف غدا قوله (صلوات اللّه عليه) فيصلا حاسما تقف دونه كلّ أقوال العلماء، و تخضع له جلّ آراء الحكماء، و تنحني أمامه الجباه العالية واجمة خاضعة صاغرة؛
و كيف يختم على أفواه المجادلين و المحاجّين بمجرّد أن يقال «قال الصادق (عليه السلام)»!
كيف، و هو الّذي رضع بثدي الإيمان، و فطم بنور الإسلام، و غذّي ببرد اليقين!؟
كيف، و هو الّذي البس حلل العصمة، و اصطفي و ورّث علم الكتاب، و لقّن فصل الخطاب، و أوضح بمكانه معارف التنزيل و غوامض التأويل!؟
كيف، و هو الّذي سلّمت إليه راية الحقّ، و كلّف هداية الخلق، و نبذ إليه عهد الإمامة، و الزم حفظ الشريعة، و تجديد ما تهدّم من أركان الهدى مذ اطلقت الصيحات المشبوهة بتحريم الحديث و تدوينه، فابتدأت بمنشورات سقيفيّة، أساسها أحقاد خيبريّة، و ما تلاها من ضغائن أمويّة، تجلّت بمنكرات و شرارات يزيديّة، استهدفت استيصال آل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و سبي حريمه، و ما كربلاء و الحرّة و هدم الكعبة إلّا غيض من حسدهم، و مثل صارخ لعداوتهم!؟ فالحقّ، و الحقّ أقول: إنّ هذه العظمة المتوّجة بهالة العلم، و الإمكانيّة الهائلة الكامنة في شخصه و شخصيّته (صلوات اللّه عليه) ما هي إلّا سرّ من أسرار اللّه عزّ و جلّ، و شعاع زاهر من أنوار النبوّة، و قبس باهر من فيوضات الإمامة، و دليل قاهر من دلائل العصمة ...
إنّ هذا لهو الحقّ المبين، و هل بعد الحقّ إلّا الضلال و الخسران المهين؟
فسلام عليه يوم ولد صادقا صدّيقا، و يوم قام بنشر علوم جدّه و دينه جعفريّا، إلى أن قبضه الرفيق الأعلى إليه شهيدا، ليوم يبعث فيه لامّة جدّه شفيعا.