مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٦٥٩ - (١٠) باب موعظته (عليه السلام) لعنوان البصري
ثمّ رجعت من الغد إلى الروضة، و صلّيت فيها ركعتين، و قلت: أسألك يا اللّه يا اللّه، أن تعطف عليّ قلب جعفر، و ترزقني من علمه ما أهتدي به إلى صراطك المستقيم.
و رجعت إلى داري مغتمّا حزينا، و لم أختلف إلى مالك بن أنس لما اشرب قلبي من حبّ جعفر، فما خرجت من داري إلّا إلى الصلاة المكتوبة حتّى عيل [١] صبري، فلمّا ضاق صدري، تنعّلت و تردّيت، و قصدت جعفرا، و كان بعد ما صلّيت العصر، فلمّا حضرت باب داره، استأذنت عليه، فخرج خادم له؛
فقال: ما حاجتك؟ فقلت: السلام على الشريف. فقال: هو قائم في مصلّاه.
فجلست بحذاء بابه، فما لبثت إلّا يسيرا إذ خرج خادم له، فقال: ادخل على بركة اللّه، فدخلت و سلّمت عليه، فردّ عليّ السلام، و قال: اجلس غفر اللّه لك؛
فجلست، فأطرق مليّا، ثمّ رفع رأسه و قال: أبو من؟ قلت: أبو عبد اللّه.
قال: ثبّت اللّه كنيتك و وفّقك لمرضاته. قلت في نفسي:
لو لم يكن لي من زيارته و التسليم عليه غير هذا الدعاء لكان كثيرا.
ثمّ أطرق مليّا، ثمّ رفع رأسه، فقال: يا أبا عبد اللّه، ما حاجتك؟
قلت: سألت اللّه أن يعطف قلبك عليّ، و يرزقني من علمك، و أرجو أنّ اللّه تعالى أجابني في الشريف ما سألته. فقال: يا أبا عبد اللّه، ليس العلم بالتعلّم، إنّما هو نور يقع في قلب من يريد اللّه تبارك و تعالى أن يهديه، فإن أردت العلم فاطلب أوّلا من نفسك حقيقة العبوديّة، و اطلب العلم باستعماله، و استفهم اللّه يفهّمك.
قلت: يا شريف، فقال: قل: يا أبا عبد اللّه؛
قلت: يا أبا عبد اللّه، ما حقيقة العبوديّة؟ قال: ثلاثة أشياء:
أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوّله اللّه إليه ملكا، لأنّ العبيد لا يكون لهم ملك، يرون المال مال اللّه يضعونه حيث أمرهم اللّه تعالى، و لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرا، و جملة اشتغاله فيما أمره اللّه تعالى به و نهاه عنه، فإذا لم ير العبد لنفسه فيما خوّله اللّه تعالى ملكا، هان عليه الإنفاق فيما أمره اللّه تعالى أن ينفق فيه؛
[١] عيل صبره: غلب.