مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٦٤٠ - (١٥) باب موعظته (عليه السلام) لعبد اللّه بن جندب
قلت: جعلت فداك، فأين أطلبهم؟
قال (عليه السلام): على رءوس الجبال، و أطراف المدن، و إذا دخلت مدينة فسل عمّن لا يجاورهم، و لا يجاورونه، فذلك مؤمن كما قال اللّه:
وَ جاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى [١] و اللّه لقد كان «حبيب النجّار» وحده.
يا بن جندب، كلّ الذنوب مغفورة سوى عقوق أهل دعوتك؛
و كلّ البرّ مقبول إلّا ما كان رئاء.
يا بن جندب، أحبب في اللّه، و استمسك بالعروة الوثقى، و اعتصم بالهدى، يقبل عملك، فإنّ اللّه يقول: وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى [٢]
فلا يقبل إلّا الإيمان، و لا إيمان إلّا بعمل، و لا عمل إلّا بيقين، و لا يقين إلّا بالخشوع، و ملاكها كلّها الهدى، فمن اهتدى يقبل عمله، و صعد إلى الملكوت متقبّلا؛ وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [٣]
يا بن جندب، إن أحببت أن تجاور الجليل في داره، و تسكن الفردوس في جواره، فلتهن عليك الدنيا، و اجعل الموت نصب عينك، و لا تدّخر شيئا لغد، و اعلم أنّ لك ما قدّمت، و عليك ما أخّرت.
يا بن جندب، و من حرّم نفسه كسبه فإنّما يجمع لغيره، و من أطاع هواه فقد أطاع عدوّه، من يثق باللّه يكفه ما أهمّه من أمر دنياه و آخرته، و يحفظ له ما غاب عنه؛
و قد عجز من لم يعدّ لكلّ بلاء صبرا، و لكلّ نعمة شكرا، و لكلّ عسر يسرا.
صبّر نفسك عند كلّ بليّة في ولد أو مال أو رزيّة، فإنّما يقبض عاريته [٤]، و يأخذ هبته، ليبلو فيهما صبرك و شكرك، و ارج اللّه رجاء لا يجرّئك على معصيته، و خفه خوفا لا يؤيسك من رحمته، و لا تغترّ بقول الجاهل و لا بمدحه، فتكبّر و تجبّر و تعجب بعملك، فإنّ أفضل العمل العبادة و التواضع؛
[١] يس: ١٩.
[٢] طه: ٨٢، و في «م»: إلّا من وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى
[٣] البقرة: ٢١٣، و النور: ٤٦.
[٤] العارية و العارة: ما تعطيه غيرك على أن يعيده إليك، يقال: كلّ عارة مستردّة.