مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٤١٥ - الأخبار، الأصحاب
ثمّ دخل، فحرّك شفتيه بشيء لم أفهمه، فنظرت إلى المنصور؛
فما شبّهته إلّا بنار صبّ عليها ماء، فخمدت، ثمّ جعل يسكن غضبه، حتّى دنا منه جعفر ابن محمّد (عليهما السلام) و صار مع سريره، فوثب المنصور و أخذ بيده، و رفعه على سريره؛
ثمّ قال له: يا أبا عبد اللّه! يعزّ عليّ- و اللّه- تعبك، و إنّما أحضرتك لأشكو إليك أهلك قطعوا رحمي، و طعنوا في ديني، و ألّبوا [١] الناس عليّ؛
و لو ولّى هذا الأمر غيري ممّن هو أبعد رحما منّي، لسمعوا له و أطاعوا.
فقال له جعفر (عليه السلام): يا أمير المؤمنين! فأين يعدل بك عن سلفك الصالح، إنّ أيّوب (عليه السلام) ابتلي فصبر، و إنّ يوسف (عليه السلام) ظلم فغفر، و إنّ سليمان (عليه السلام) اعطي فشكر.
فقال المنصور: قد صبرت و غفرت و شكرت، ثمّ قال:
«من أحبّ أن ينسىء في أجله، و يعافى في بدنه فليصل رحمه». قال: ليس هو هذا.
يا أبا عبد اللّه! حدّثنا حديثا كنت سمعته منك في صلة الأرحام.
قال: نعم، حدّثني أبي، عن جدّي، أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال:
«البرّ، و صلة الأرحام عمارة الدنيا [و الآخرة]، و زيادة الأعمار». قال: ليس هذا هو.
قال: نعم، حدّثني أبي، عن جدّي: أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال:
«رأيت رحما متعلّقا بالعرش يشكو إلى اللّه تعالى عزّ و جلّ قاطعها؛
فقلت: يا جبرئيل! كم بينهم؟ فقال: سبعة آباء»، فقال: ليس هذا هو.
قال: نعم، حدّثني أبي، عن جدّي، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):
«احتضر رجل بارّ في جواره رجل عاقّ، قال اللّه عزّ و جلّ لملك الموت: يا ملك الموت! كم بقي من أجل العاقّ؟ قال: ثلاثون سنة. قال: حوّلها إلى هذا البارّ».
فقال المنصور: يا غلام! ائتني بالغالية. فأتاه بها، فجعل يغلّفه بيديه؛
ثمّ دفع إليه أربعة آلاف [دينار].
و دعا بدابّته، فاتي بها، فجعل يقول: قدّم قدّم إلى أن اتي بها إلى عند سريره.
[١] ألّبوا: جمعوا.