مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٤٠١ - الأخبار، الأصحاب
و أمّا النسوة اللاتي ذكرتهنّ فعليهنّ السلام، فقد آمن اللّه روعهنّ و جلا همّهنّ.
قال: فرجعت إليه، فأخبرته بما قال المنصور؛
فقال: قل له: وصلت رحما، و جزيت خيرا.
ثمّ اغرورقت عيناه حتّى قطر من الدمع في حجره قطرات، ثمّ قال:
يا ربيع! إنّ هذه الدنيا و إن أمتعت ببهجتها، و غرّت بزبرجها [١] فإنّ آخرها لا بدّ و أن يكون كآخر الربيع الّذي يروق [٢] بخضرته، ثمّ يهيج [٣] عند انتهاء مدّته؛
و على من نصح لنفسه و عرف حقّ ما عليه و له، أن لا ينظر إليها نظر من غفل [٤] عن ربّه جلّ و علا، و حذر سوء منقلبه، فإنّ هذه الدنيا قد خدعت قوما فارقوها، أسرع ما كانوا إليها، و أكثر ما كانوا اغتباطا بها، طرقتهم آجالهم بياتا و هم نائمون، أو ضحى و هم يلعبون؛
فكيف اخرجوا عنها، و إلى ما صاروا بعدها، أعقبتهم الألم، و أورثتهم الندم، و جرّعتهم مرّ المذاق، و غصّصتهم بكأس الفراق، فيا ويح من رضي عنها، أو أقرّ عينا [بها]، أ ما رأى مصرع آبائه، و من سلف من أعدائه و أوليائه!؟
يا ربيع! أطول بها حسرة، و أقبح بها كثرة، و أخسر بها صفقة، و أكبر بها ترحة [٥]، إذا عاين المغرور بها أجله، و قطع [٦] بالأمانيّ أمله، و ليعمل على أنّه اعطي أطول الأعمار و أمدّها، و بلغ فيها جميع الآمال، هل قصارة إلّا الهرم؟ أو غايته إلّا الوخم [٧]؟
نسأل اللّه لنا و لك عملا صالحا بطاعته، و مآبا إلى رحمته، و نزوعا عن معصيته، و بصيرة في حقّه، فإنّما ذلك له، و به.
فقلت: يا أبا عبد اللّه! أسألك بكلّ حقّ بينك و بين اللّه جلّ و علا إلّا ما عرّفتني ما ابتهلت به إلى ربّك تعالى، و جعلته حاجزا بينك و بين حذرك و خوفك، لعلّ اللّه يجبر بدوائك كسيرا،
[١] «الزبرج- بالكسر-: الزينة».
[٢] «راقه: أعجبه».
[٣] «هاج النبت: يبس» منه ره.
[٤] «أن ينظر إليها نظر من عقل» ع، ب.
[٥] «الترح- محرّكة-: الهمّ».
[٦] «ينبغي أن يقرأ على بناء المجهول، أي قطع أمله مع الأماني الّتي كان يأمل حصولها».
[٧] «طعام و خم: أي غير موافق» منه ره. و في م «الرجم»، الرجم- بالتحريك-: و هو القبر.