مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٥٣٦ - الأخبار، الأصحاب
هذه الألوان المختلفة [١] و الجواهر الكثيرة الموجودة في هذا العالم من ضروب شتّى؟
و من أين جاء الموت إن كان الشيء الّذي انشئت منه الأشياء حيّا؟
أو من أين جاءت الحياة إن كان ذلك الشيء ميّتا؟ و لا يجوز أن يكون من حيّ و ميّت قديمين لم يزالا، لأنّ الحيّ لا يجيء منه ميّت و هو لم يزل حيّا، و لا يجوز أيضا أن يكون الميّت قديما لم يزل بما هو به من الموت، لأنّ الميّت لا قدرة له و لا بقاء.
قال: فمن أين قالوا إنّ الأشياء أزليّة؟
قال: هذه مقالة قوم جحدوا مدبّر الأشياء، فكذّبوا الرسل و مقالتهم، و الأنبياء و ما أنبئوا
[١] لعلّ هذا الكلام مبنيّ على ما زعموا من أنّ كلّ حادث لا بدّ له من منشأ و مبدأ يشاكله و يناسبه في الذات و الصفات، فألزمه (عليه السلام) ما يعتقده؛
أو المراد أنّ الاحتياج إلى المادّة إن كان لعجز الصانع تعالى عن إحداث شيء لم يكن، فلا بدّ من وجود الأشياء بصفاتها في المادّة حتّى يخرجها منها،
و هذا محالّ لاستلزامه كون المادّة ذات حقائق متباينة، و اتّصافها بصفات متضادّة؛
و إن قلتم: إنّها مشتملة على بعضها فقد حكمتم بإحداث بعضها من غير مادّة، فليكن الجميع كذلك، و إن قلتم: إنّ جوهر المادّة يتبدّل جوهرا آخر و أعراضها أعراضا آخر، فقد حكمتم بفناء ما هو أزليّ و هذا محال كما مرّ، و بحدوث شيء آخر من غير شيء، و هذا مستلزم للمطلوب.
و أمّا ما ذكره (عليه السلام) في الحياة و الموت فيرجع إلى ما ذكرنا، و ملخّصه أنّه لا يخلو إمّا أن تكون مادّة الكلّ حيّا بذاته أو ميّتا بذاته، أو تكون الأشياء من أصلين: أحدهما حيّ بذاته، و الآخر ميّت بذاته؛
و هذا أيضا يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون كلّ شيء مأخوذا من كلّ من الحيّ و الميّت؛
و الثاني أن يكون الحيّ مأخوذا من الحيّ، و الميّت مأخوذا من الميّت؛
فأبطل (عليه السلام) الأوّل بأنّه لو حصل الميّت بذاته عن الحيّ بذاته، يلزم زوال الحياة الأزليّة عن هذا الجزء من المادّة، و قد مرّ امتناعه، أو تبدّل الحقيقة الّتي يحكم العقل بديهة بامتناعه؛
و لو قيل بإعدام الحيّ و إنشاء الميّت، فيلزم المفسدة الاولى مع الإقرار بالمدّعى، و هو حدوث الشيء لا من شيء، و بهذا يبطل الثاني، و كذا الثالث، لأنّ الجزء الحيّ من المادّة يجري فيه ما سبق إذا حصل منه ميّت، و أشار إليه بقوله: (لأنّ الحيّ لا يجيء منه ميّت).
و أشار إلى الرابع بقوله: (و لا يجوز أن يكون الميّت قديما) و به يبطل الثاني و الثالث أيضا، و تقديره أنّ الأزليّ لا بدّ أن يكون واجب الوجود بذاته، كاملا بذاته، لشهادة العقول بأنّ الاحتياج و النقص من شواهد الإمكان المحوج إلى المؤثّر و الموجد فلا يكون الأزليّ ميّتا» منه ره.