مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٥٦٤ - الأخبار، الأئمّة العسكري، عن آبائه، عن الصادق (عليهم السلام)
فإنّ من اتّبع هواه، و أعجب برأيه كان كرجل سمعت غثاء الناس [١] تعظّمه و تصفه، فأحببت لقاءه من حيث لا يعرفني لأنظر مقداره و محلّه، فرأيته في موضع قد أحدق به جماعة من غثاء العامّة، فوقفت منبذا عنهم، متغشّيا بلثام أنظر إليه و إليهم؛
فما زال يراوغهم [٢] حتّى خالف طريقهم و فارقهم و لم يقرّ.
فتفرّقت جماعة العامّة عنه لحوائجهم، و تبعته أقتفي أثره، فلم يلبث أن مرّ بخبّاز فتغفّله، فأخذ من دكّانه رغيفين مسارقة، فتعجّبت منه، ثمّ قلت في نفسي لعلّه معاملة؛
ثمّ مرّ من بعده بصاحب رمّان، فما زال به حتّى تغفّله، فأخذ من عنده رمّانتين مسارقة؛ فتعجّبت منه، ثمّ قلت في نفسي لعلّه معاملة، ثمّ أقول: و ما حاجته إذا إلى المسارقة؟ ثمّ لم أزل أتبعه حتّى مرّ بمريض، فوضع الرغيفين و الرمّانتين بين يديه و مضى، و تبعته حتّى استقرّ في بقعة من صحراء؛
فقلت له: يا عبد اللّه! لقد سمعت بك و أحببت لقاءك، فلقيتك، لكنّي رأيت منك ما شغل قلبي، و إنّي سائلك عنه ليزول به شغل قلبي، قال: ما هو؟ قلت:
رأيتك مررت بخبّاز و سرقت منه رغيفين، ثمّ بصاحب الرمّان فسرقت منه رمّانتين! فقال لي: قبل كلّ شيء حدّثني من أنت؟
قلت: رجل من ولد آدم من أمّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). قال: حدّثني ممّن أنت؟
قلت: رجل من أهل بيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). قال: أين بلدك؟ قلت: المدينة.
قال: لعلّك جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام). قلت: بلى.
قال لي: فما ينفعك شرف أصلك مع جهلك بما شرّفت به، و تركك علم جدّك و أبيك، لأنّه لا ينكر ما يجب أن يحمد و يمدح فاعله!
[١] في الحديث «الناس ثلاث: عالم و متعلّم و غثاء، فنحن العلماء، و شيعتنا المتعلّمون؛
و سائر الناس غثاء» يريد أراذل الناس و أسقاطهم، شبّههم بذلك، لدناءة قدرهم و خفّة أحلامهم (مجمع البحرين «غثا»).
[٢] «قال الفيروزآبادي: راغ الرجل: مال و حاد عن الشيء، و روغان الثعلب مشهور بين العجم و العرب» منه ره.