مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٦٤٣ - (١٥) باب موعظته (عليه السلام) لعبد اللّه بن جندب
آخرته، و هو في ذلك يتمنّى جنان الفردوس؛
و ما ينبغي لأحد أن يطمع أن ينزل بعمل الفجّار منازل الأبرار؛
أما إنّه لو وقعت الواقعة، و قامت القيامة، و جاءت الطامّة، و نصب الجبّار الموازين لفصل القضاء، و برز الخلائق ليوم الحساب؛
أيقنت عند ذلك: لمن تكون الرفعة و الكرامة، و بمن تحلّ الحسرة و الندامة؛
فاعمل اليوم في الدنيا بما ترجو به الفوز في الآخرة.
يا ابن جندب، قال اللّه جلّ و عزّ في بعض ما أوحى:
«إنّما أقبل الصلاة ممّن يتواضع لعظمتي، و يكفّ نفسه عن الشهوات من أجلي، و يقطع نهاره بذكري، و لا يتعظّم على خلقي، و يطعم الجائع، و يكسو العاري، و يرحم المصاب، و يؤوي [١] الغريب؛
فذلك يشرق نوره مثل الشمس، أجعل له في الظلمة نورا، و في الجهالة حلما، أكلأه بعزّتي، و استحفظه ملائكتي، يدعوني فالبّيه، و يسألني فاعطيه، فمثل ذلك العبد عندي كمثل جنّات الفردوس لا يسبق أثمارها، و لا تتغيّر عن حالها».
يا بن جندب، الإسلام عريان فلباسه الحياء، و زينته الوقار، و مروءته العمل الصالح، و عماده الورع، و لكلّ شيء أساس، و أساس الإسلام حبّنا أهل البيت.
يا بن جندب، إنّ للّه تبارك و تعالى سورا من نوره، محفوفا بالزبرجد و الحرير، منجّدا [٢] بالسندس و الديباج، يضرب هذا السور بين أوليائنا و بين أعدائنا؛
فإذا غلى الدماغ، و بلغت القلوب الحناجر، و نضجت الأكباد من طول الموقف، ادخل في هذا السور أولياء اللّه، فكانوا في أمن اللّه و حرزه، لهم فيها ما تشتهي الأنفس و تلذّ الأعين، و أعداء اللّه قد ألجمهم العرق، و قطعهم الفرق، و هم ينظرون إلى ما أعدّ اللّه لهم، فيقولون: ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ [٣]
فينظر إليهم أولياء اللّه فيضحكون منهم، فذلك قوله عزّ و جلّ:
أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ [٤]
[١] «و يواسي» خ ل.
[٢] منجّدا: مزيّنا.
[٣] سورة ص: ٦٢، ٦٣.
[٤] سورة ص: ٦٢، ٦٣.