مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٥٣٥ - الأخبار، الأصحاب
عزّ و جلّ جعلهم في موضع لا يكون أعلى درجة و شرفا منه، فمن كان خازن علم اللّه و أمين غيبه، و مستودع سرّه، و حجّته على خلقه، و ترجمانه و لسانه، لا يكون إلّا بهذه الصفة.
فالحجّة لا يكون إلّا من نسلهم يقوم مقام النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الخلق بالعلم الّذي عنده، و ورثه عن الرسول، إن جحده الناس سكت، و كان بقاء ما عليه الناس قليلا ممّا في أيديهم من علم الرسول على اختلاف منهم فيه، قد أقاموا بينهم الرأي و القياس؛
و إنّهم إن أقرّوا به و أطاعوه و أخذوا عنه ظهر العدل، و ذهب الاختلاف و التشاجر، و استوى الأمر، و أبان الدين، و غلب على الشكّ اليقين؛
و لا يكاد أن يقرّ الناس به أو يحقّوا له [١] بعد فقد الرسول، و ما مضى رسول و لا نبيّ قطّ لم تختلف امّته من بعده، و إنّما كان علّة اختلافهم، خلافهم على الحجّة و تركهم إيّاه.
قال: فما يصنع بالحجّة إذا كان بهذه الصفة؟
قال (عليه السلام): قد يقتدى به، و يخرج عنه الشيء بعد الشيء ممّا فيه منفعة الخلق و صلاحهم، فإن أحدثوا في دين اللّه شيئا أعلمهم؛
و إن زادوا فيه أخبرهم، و إن نقصوا [٢] منه شيئا أفادهم.
ثمّ قال الزنديق: من أيّ شيء خلق الأشياء؟ قال (عليه السلام): لا من شيء.
فقال: فكيف يجيء من لا شيء شيء؟
قال (عليه السلام): إنّ الأشياء لا تخلو أن تكون خلقت من شيء، أو من غير شيء، فإن كانت خلقت من شيء كان معه، فإنّ ذلك الشيء قديم، و القديم لا يكون حديثا [٣] و لا يفنى و لا يتغيّر، و لا يخلو ذلك الشيء من أن يكون جوهرا واحدا و لونا واحدا، فمن أين جاءت
[١] «و لا يطيعوا له أو يحفظوا له» م.
[٢] «نفدوا» م.
[٣] «أي ما يكون وجوده أزليّا لا يكون محدثا معلولا، فيكون واجب الوجود بذاته فلا يعتريه التغيّر و الفناء، و قد نسب إلى بعض الحكماء أنّه قال:
المبدع الأوّل هو مبدع الصور فقط دون الهيولى، فإنّها لم تزل مع المبدع؛
فأنكر عليه سائر الحكماء و قالوا: إنّ الهيولى لو كانت أزليّة قديمة لما قبلت الصور، و لما تغيّرت من حال إلى حال، و لما قبلت فعل غيرها، إذ الأزليّ لا يتغيّر» منه ره.