مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٦٤١ - (١٥) باب موعظته (عليه السلام) لعبد اللّه بن جندب
فلا تضيّع مالك، و تصلح مال غيرك ما خلّفته وراء ظهرك؛
و اقنع بما قسمه اللّه لك، و لا تنظر إلّا إلى ما عندك، و لا تتمنّ ما لست تناله؛
فإنّ من قنع شبع، و من لم يقنع لم يشبع، و خذ حظّك من آخرتك [١]؛
و لا تكن بطرا في الغني، و لا جزعا في الفقر؛
و لا تكن فظّا غليظا يكره الناس قربك؛
و لا تكن واهنا يحقّرك من عرفك، و لا تشارّ [٢] من فوقك، و لا تسخر بمن هو دونك، و لا تنازع الأمر أهله، و لا تطع السفهاء، و لا تكن مهينا تحت كلّ أحد؛
و لا تتّكلنّ على كفاية أحد، و قف عند كلّ أمر حتّى تعرف مدخله من مخرجه قبل أن تقع فيه، فتندم، و اجعل قلبك قريبا تشاركه [٣]، و اجعل عملك والدا تتّبعه؛
و اجعل نفسك عدوّا تجاهده، و عارية تردّها، فإنّك قد جعلت طبيب نفسك، و عرّفت آية الصحّة، و بيّن لك الداء، و دللت على الدواء، فانظر قيامك على نفسك؛
و إن كانت لك يد عند إنسان فلا تفسدها بكثرة المنّ و الذكر لها، و لكن اتّبعها بأفضل منها، فإنّ ذلك أجمل بك في أخلاقك؛ و أوجب للثواب في آخرتك؛
و عليك بالصمت تعدّ حليما، جاهلا كنت أو عالما؛
فإنّ الصمت زين لك عند العلماء، و ستر لك عند الجهّال.
يا بن جندب، إنّ عيسى بن مريم (عليه السلام) قال لأصحابه:
«أ رأيتم لو أنّ أحدكم مرّ بأخيه فرأى ثوبه قد انكشف عن بعض عورته، أ كان كاشفا عنها كلّها، أم يردّ عليها ما انكشف منها؟ قالوا: بل نردّ عليها. قال: كلّا، بل تكشفون عنها كلّها: فعرفوا أنّه مثل ضربه لهم، فقيل: يا روح اللّه، و كيف ذلك؟
قال: الرجل منكم يطّلع على العورة من أخيه فلا يسترها».
بحقّ أقول لكم: إنّكم لا تصيبون ما تريدون إلّا بترك ما تشتهون، و لا تنالون ما تأملون إلّا بالصبر على ما تكرهون، إيّاكم و النظرة، فإنّها تزرع في القلب الشهوة، و كفى بها لصاحبها فتنة، طوبى لمن جعل بصره في قلبه، و لم يجعل بصره في عينه؛
[١] يأتي: ٦٤٩ ح ٣.
[٢] تشارّ: تخاصم.
[٣] «تشاوره»، «تتنازله» خ ل.