مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٥٣٨ - الأخبار، الأصحاب
فسلّطه على عبيده يدعوهم إلى خلاف طاعته، و يأمرهم بمعصيته، و جعل له من القوّة كما زعمت يصل بلطف الحيلة إلى قلوبهم فيوسوس إليهم، فيشكّكهم في ربّهم و يلبّس عليهم دينهم، فيزيلهم عن معرفته حتّى أنكر قوم لمّا وسوس إليهم ربوبيّته، و عبدوا سواه؛
فلم سلّط عدوّه على عبيده، و جعل له السبيل إلى إغوائهم؟
قال: إنّ هذا العدوّ الّذي ذكرت لا يضرّه عداوته، و لا ينفعه ولايته، و عداوته لا تنقص من ملكه شيئا، و ولايته لا تزيد فيه شيئا، و إنّما يتّقى العدوّ إذا كان في قوّة يضرّ و ينفع، إن همّ بملك أخذه، أو بسلطان قهره، فأمّا إبليس فعبد خلقه ليعبده و يوحّده، و قد علم حين خلقه ما هو، و إلى ما يصير إليه، فلم يزل يعبده مع ملائكته حتّى امتحنه بسجود آدم، فامتنع من ذلك حسدا و شقاوة غلبت عليه، فلعنه عند ذلك، و أخرجه عن صفوف الملائكة، و أنزله إلى الأرض ملعونا مدحورا، فصار عدوّ آدم و ولده بذلك السبب، و ماله من السلطنة على ولده إلّا الوسوسة و الدعاء إلى غير السبيل، و قد أقرّ مع معصيته لربّه بربوبيّته.
قال: أ فيصلح السجود لغير اللّه؟ قال: لا.
قال: فكيف أمر اللّه الملائكة بالسجود لآدم؟
قال: إنّ من سجد بأمر اللّه فقد سجد للّه، فكان سجوده للّه إذا كان عن أمر اللّه.
قال: فمن أين أصل الكهانة؟ و من أين يخبر الناس بما يحدث؟
قال: إنّ الكهانة كانت في الجاهليّة في كلّ حين فترة من الرسل، كان الكاهن بمنزلة الحاكم يحتكمون إليه فيما يشتبه عليهم من الامور بينهم، فيخبرهم بأشياء تحدث؛
و ذلك في وجوه شتّى [من] فراسة العين، و ذكاء القلب، و وسوسة النفس، و فطنة الروح مع قذف في قلبه، لأنّ ما يحدث في الأرض من الحوادث الظاهرة فذلك يعلم الشيطان و يؤدّيه إلى الكاهن، و يخبره بما يحدث في المنازل و الأطراف؛
و أمّا أخبار السماء، فإنّ الشياطين كانت تقعد مقاعد استراق السمع إذ ذاك، و هي لا تحجب و لا ترجم بالنجوم، و إنّما منعت من استراق السمع لئلّا يقع في الأرض سبب يشاكل الوحي من خبر السماء، فيلبّس على أهل الأرض ما جاءهم عن اللّه لإثبات الحجّة و نفي الشبه، و كان الشيطان يسترق الكلمة الواحدة من خبر السماء بما يحدث من اللّه في