فقه الشيعة كتاب الخمس و الأنفال - الموسوي الخلخالي، سيد محمدمهدي - الصفحة ٢٢ - خمس الأرباح و آية الخمس
..........
٣- الفائدة، و الفوز بالشيء مطلقا، و هذا أعم من الأولين، فيشمل أرباح المكاسب، و الفوائد المستحصلة بالطرق المتعارفة أيضا.
فيكون نتيجة هذه التفاسير إجمال المفهوم، لتردده بين المعاني الثلاثة- و يكون أكثر استعمالا في الأولين لا سيما الثاني إذ أكثر اللغويين يفسرونها به، أي ب «الفوز بلا مشتقة» فيكون اللفظ حينئذ مجملا، لا يمكن التمسك بإطلاقه، أو يكون القدر المتيقن منه الغنائم الحربيّة، لعدم ثبوت كون المعنى الثالث هو المعنى الحقيقي دون الأولين.
الجواب أولا: أن المعنى هو الجامع المشترك المعنوي، لا المشترك اللفظي فلا إجمال. بيانه: أن النسبة بين المعنى الأول و الثاني هي التباين[١] لا العموم
[١]- تحقيق حول معنى« ما غنمتم» في الآية الكريمة
المذكور في كلمات اللغويين- كما مر عليك في التعليقة من الصفحة السابقة- معاني ثلاثة للفظ« الغنم و الغنيمة».
( أحدها) ما يؤخذ من العدو بالقهر و الغلبة( الغنائم الحربية).
( الثاني): الفوز بالشيء بلا مشقة.
فلا تشمل الفوائد المكتسبة التي تحصل بجهد، و عمل، كأجرة الحمّال و الصانع، و الزارع و نحو ذلك، بل لا تشمل أرباح التجارات، لعدم خلوها من تعب في تحصيلها، فيختص لا محالة بالفوائد غير المترقبة، كالكنز، و الغوص و الإرث و ما يحصله الإنسان مجانا، و هذا يباين المعنى الأول و لا يكون أعم منه لعدم شموله للغنائم الحربيّة، فإنها لا تحصل إلّا بالقتال، و المشقة البالغة.
و دعوى: أن الحروب الإسلامية لم تكن إلّا لغاية إعلاء كلمة الإسلام فالغنائم لم تكن مقصودة بالقتال، و إنما حصلت عفوا فكأنها بلا مشقة.
مندفعة بأن اللغة لا تختص بالحروب الإسلامية، بل يمكن دعوى أن كثيرا من المقاتلين المسلمين كانوا يقصدون الغنيمة أيضا، كما يشهد بذلك ملاحظة تواريخ الحروب الإسلامية، منها.
نفس غزوة بدر التي هي مورد نزول آية الغنيمة الواردة في سورة الأنفال، حيث إنه ورد في شأن نزول أول آياتها قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ-( أنفال: ١)-: إن المسلمين لما خاضوا هذه المعركة- و هي أول معركة كانت بقيادة الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله في السنة الثانية من الهجرة، و انتهت المعركة بغلبة المسلمين على قريش- اختلفوا في الغنائم-- التي ظفروا بها من جهة العدو، و رجعوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في ذلك، فنزلت الآيات الكريمة من أول سورة الأنفال، و جعلت أمرها لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حسما للنزاع، و أطلق عليها« النفل»- الذي هو بمعنى« الزيادة»- باعتبار أنها زيادة على الظفر بالعدو- و قد حكي تفصيل النزاع في كل من سيرة ابن هشام، و تاريخ الطبري و سنن أبي داود و غيرها: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أمر- في غزوة بدر- بما في العسكر مما جمع الناس، فجمع، فاختلف المسلمون فيه، فقال من جمعه: هو لنا، و قال الذين كانوا يقاتلون العدوّ، و يطلبونه: و اللّه لو لا نحن ما اجتمعتموه، لنحن شغلنا عنكم القوم حتى أصبتم ما أصبتم، و قال الذين كانوا يحرسون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مخافة أن يخالف إليه العدوّ: و اللّه ما أنتم بأحق به منّا.
و روي عن عبادة بن الصامت: أنه قال عن سورة الأنفال:« فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل و ساءت فيه أخلاقنا، فنزعه اللّه من أيدينا، فجعله إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقسّمه رسول اللّه بين المسلمين على السواء- بنقل عن مقدمة مرآة العقول: ٧٩- ٨٠، بتلخيص.
فالمتحصل:
إن الغنائم كانت مقصودة لهم أيضا، و كان الحصول عليها مع المشقة، فلا مجال لحذف القيد عنها، فهذه الدعوى غير صحيحة.
كما أن دعوى[ مقدمة مرآت العقول ص ٩٠]: أن إطلاق« الغنيمة» على السهم المظفور به إنما يكون باعتبار أنه كان مأخوذا من يد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و ليس من الغزو رأسا، و صح بهذا الاعتبار أن نحسب المظفور به من نوع« الغنم و الغنيمة» بلا مشقة.
غير مسموعة لإطلاق« ما غنمتم» في الآية الكريمة على المال المأخوذ من العدو فإنّه الذي فيه الخمس، كما دلت عليه الآية الكريمة، و أما المأخوذ من يد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فلا خمس فيه؛ لأنه سهم للمقاتل بعد استثناء الخمس من أصل الغنائم فتحصل: أن المعنى الثاني يباين الأول و لا يكون أعم منه.
( الثالث): مطلق الفائدة سواء أ كانت حاصلة بلا مشقة، أو معها، أخذت من العدو أو غيره، كما فسّرها جملة من اللغويين بذلك أيضا[ لاحظ ما تقدم في التعليقة. من كلمات اللغويّين]. و هذا أعم من الأولين، و هو المقصود بالإثبات في المقام، و النسبة بينه و بين الأولين نسبة الجنس إلى نوعين منه متباينين كالحيوان يطلق على الإنسان و البقر و قد يقال بتطور معنى لفظة« الغنيمة و الغنم» في المعاني الثلاثة في طول الزمن بدعوى: أنها كانت في زمن الجاهلية و صدر الإسلام- قبل نزول آية الغنيمة- بمعنى« الفوز بالشيء بلا مشقة» كما في كلمات جملة من اللغويين، و ليس من ضمنه المظفور به من جهة العدى؛ لأنها مع مشقة الحرب، بل كان له تسميات أخرى- و هي السلب و الحرب و النهب- ثم جاء عصر الإسلام و نزلت آية الغنيمة شاملة للغنائم الحربيّة، لورودها في هذا المورد، فحصل لها معنى شرعي، و هو« ما ظفر به من جهة العدى و غيره»- كما فسّرها الراغب- و هو أعم من المعنى اللغوي؛ لأن الإسلام جعل أسلاب الحرب من مصاديق« المغنم» بعد أن لم تكن من مصاديقه، و هكذا استعمل لفظ--« الغنيمة و المغنم» في المعنيين اللغوي و الشرعي إلى عصر الفتوحات الإسلاميّة فاستعملت في« الغنائم الحربية» خاصة، لكثرة الغزوات، فصارت حقيقة عند المتشرعة في تلك، ثم جاء عصر تدوين اللغات فوجدها اللغويون تستعمل في هذه المعاني الثلاثة، فدوّنوها في كتبهم على حسب ما وجدوها تستعمل في المعاني الثلاثة ١- الفوز بالشيء بلا مشقة، و هو المعنى اللغوي عصر الجاهلية و صدر الإسلام.
٢- الظفر بالشيء من جهة العدى و غيرهم بعد نزول آية الخمس؛ لأنه، المراد من الآية الكريمة بقرينة ورودها في مورد الغنائم الحربية فيكون أعم من الأول.
٣- ما ظفر به من جهة العدى خاصة، و هو المصطلح عند المتشرعة متأخرا، و على هذا لا مجال للتشكيك في عموم الآية لوجود القرينة على المعنى الشرعي، و هي ورودها في الحرب.
أقول: الظاهر أن التقييد بقيد« بلا مشقة» في المعنى اللغوي يكون من باب التطبيق على أظهر الأفراد- كما ذكرنا في الشرح- لا تحديد أصل المعنى به و من هنا يفسرونها ب« الفوز بالشيء بلا بدل» أيضا، و هو أعم من الأول، بل المعنى اللغوي لهذه الكلمة هو الجامع الكلي الشامل لكل فوز بلا بدل و لو كان معنويّا، إذ ورد في الحديث« الرّهن لمن رهنه، له غنمه و عليه غرمه»، غنمه: زيادته و نماؤه، و فاضل قيمته- كما عن لسان العرب و نهاية اللغة- في نفس المادّة- فاطلق« الغنم» في الحديث على مطلق الزيادة و النماء، و ورد في الدعاء حين إخراج الزكاة« اللهم اجعلها مغنما، و لا تجعلها مغرما»- عن سنن ابن ماجه-.
و في الحديث« غنيمة مجالس الذكر الجنّة» و في وصف شهر رمضان« هو غنم للمؤمن» و« الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة»- بنقل عن مقدمة مرآة العقول: ٨٥ باختصار.
و في نهج البلاغة( خطبة ٧٦):« اغتنم المهل»( و في خطبة ١٢٠):« من أخذها لحق غنم» و في عهده عليه السّلام لمالك الأشتر:« و لا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم»، و في كلماته عليه السّلام القصار( ٣٣١)« إن اللّه جعل الطاعة غنيمة الأكياس» و في كتابه عليه السّلام( ٤٥) لعثمان بن حنيف« فو اللّه ما كنزت من دنياكم تبرا، و لا ادخرت من غنائمها وفرا» و اشتهر أو ورد: أنه اغتنموا الفرص، فإنها تمر مرّ السحاب و عنه صلّى اللّه عليه و آله أنه قال لأبي ذر:« اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، صحتك قبل سقمك ...»- الوسائل ١: ٨٦.
و عن أمير المؤمنين عليه السّلام:« اغتنموا الدعاء عند أربع، عند قراءة القرآن، و عند الأذان ...»- الوسائل ٤: ١١١٤.
و الغرض من نقل هذا كله هو التنبيه على عموم معنى« الغنم و الغنيمة» لكل فائدة حتى المعنوية فضلا عن الماديّة.