مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٩٢٩ - ٨- باب حال محمّد بن جعفر (عليه السلام)
إنّ غلمان ذي الرئاستين [١] قد ضربوا غلمانك على حطب اشتروه، فخرج متّزرا ببردين و معه هراوة [٢] و هو يرتجز و يقول: «الموت خير لك من عيش بذلّ».
و تبعه الناس حتّى ضرب غلمان ذي الرئاستين، و أخذ الحطب منهم.
فرفع الخبر إلى المأمون، فبعث إلى ذي الرئاستين، فقال [له]:
ائت محمّد بن جعفر فاعتذر إليه، و حكّمه [٣] في غلمانك.
قال: فخرج ذو الرئاستين إلى محمّد بن جعفر (عليه السلام). قال موسى بن سلمة:
كنت عند محمّد بن جعفر جالسا حتّى أتى، فقيل له: هذا ذو الرئاستين.
فقال: لا يجلس إلّا على الأرض. و تناول بساطا كان في البيت، فرمى به هو و من معه ناحية، و لم يبق في البيت إلّا و سادة جلس عليها محمّد بن جعفر (عليه السلام).
فلمّا دخل عليه ذو الرئاستين، وسّع له محمّد على الوسادة، فأبى أن يجلس عليها، و جلس على الأرض، فاعتذر إليه، و حكّمه في غلمانه.
و توفّي محمّد بن جعفر في خراسان مع المأمون، فركب المأمون ليشهده، فلقيهم و قد خرجوا به، فلمّا نظر إلى السرير، نزل فترجّل، و مشى حتّى دخل بين العمودين، فلم يزل بينهما حتّى وضع، فتقدّم و صلّى عليه، ثمّ حمله حتّى بلغ به القبر، ثمّ دخل قبره، فلم يزل فيه حتّى بني عليه، ثمّ خرج فقام على قبره حتّى دفن.
فقال له عبيد اللّه بن الحسين و دعا له: يا أمير المؤمنين، إنّك قد تعبت [اليوم] فلو ركبت. فقال له المأمون: إنّ هذه رحم قطعت من مائتي سنة.
و روي عن إسماعيل [٤] بن محمّد بن جعفر (عليه السلام) أنّه قال:
قلت لأخي و هو إلى جنبي و المأمون قائم على القبر: لو كلّمناه في دين الشيخ فلا
[١] هو الفضل بن سهل، أبو العبّاس السرخسي، أخو الحسن بن سهل، و كان يلقّب بذي الرئاستين لأنّه تقلّد الوزارة و السيف (راجع ترجمته في وفيات الأعيان: ٤/ ٤١- ٤٤).
[٢] الهراوة: العصا الضخمة.
[٣] أي فوّض إليه الحكم فيهم.
[٤] من أجلّ ولد محمّد، و هو لأمّ ولد، ادّعت الشمطيّة فيه الأمر بعد أبيه، و كان المأمون وصله بخمسة و عشرين ألف دينار ... (المجدي: ٩٦).