مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٤٩٣ - الأخبار، الأصحاب
فقال: و ما يعلم جعفر بن محمّد، أنا أعلم منه، أنا لقيت الرجال، و سمعت من أفواههم، و جعفر بن محمّد صحفيّ أخذ العلم من الكتب!
فقلت في نفسي: و اللّه لأحجّنّ و لو حبوا.
قال: فكنت في طلب حجّة، فجاءتني حجّة فحججت، فأتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام)؛
فحكيت له الكلام فضحك، ثمّ قال: أمّا في قوله إنّي رجل صحفيّ فقد صدق؛
قرأت صحف آبائي إبراهيم و موسى. فقلت: و من له بمثل تلك الصحف؟
قال: فما لبثت أن طرق الباب طارق، و كان عنده جماعة من أصحابه؛
فقال للغلام: انظر من ذا؟ فرجع الغلام فقال: أبو حنيفة.
قال: أدخله. فدخل، فسلّم على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فردّ عليه.
ثمّ قال: أصلحك اللّه أ تأذن لي في القعود؟ فأقبل على أصحابه يحدّثهم، و لم يلتفت إليه.
ثمّ قال الثانية و الثالثة، فلم يلتفت إليه، فجلس أبو حنيفة من غير إذنه.
فلمّا علم أنّه قد جلس التفت إليه، فقال: أين أبو حنيفة؟ فقيل: هو ذا أصلحك اللّه.
فقال: أنت فقيه أهل العراق؟ قال: نعم.
قال: فبم تفتيهم؟ قال: بكتاب اللّه و سنّة نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
قال: يا أبا حنيفة! تعرف كتاب اللّه حقّ معرفته، و تعرف الناسخ و المنسوخ؟ قال: نعم.
قال: يا أبا حنيفة! لقد ادّعيت علما، ويلك! ما جعل اللّه ذلك إلّا عند أهل الكتاب الّذين أنزل عليهم، ويلك! و لا هو إلّا عند الخاصّ من ذريّة نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و ما ورّثك اللّه من كتابه حرفا، فإن كنت كما تقول و لست كما تقول، فأخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ:
سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ [١] أين ذلك من الأرض؟ قال: أحسبه ما بين مكّة و المدينة.
فالتفت أبو عبد اللّه (عليه السلام) إلى أصحابه، فقال: تعلمون أنّ الناس يقطع عليهم بين المدينة و مكّة، فتؤخذ أموالهم و لا يأمنون على أنفسهم و يقتلون؟ قالوا: نعم. قال: فسكت أبو حنيفة
[١] سبأ: ١٨.