مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٥٤٨ - الأخبار، الأصحاب
بها و دخوله فيها، فمن تلك الطينة خلق الأشياء!
قال (عليه السلام): سبحان اللّه و تعالى! ما أعجز إلها يوصف بالقدرة لا يستطيع التفصّي من الطينة! إن كانت الطينة حيّة أزليّة فكانا إلهين قديمين فامتزجا، و دبّر العالم من أنفسهما، فإن كان ذلك كذلك، فمن أين جاء الموت و الفناء؟
و إن كانت الطينة ميتة، فلا بقاء للميّت مع الأزليّ القديم، و الميّت لا يجيء منه حيّ؛
و هذه مقالة الديصانيّة أشدّ الزنادقة قولا، و أمهنهم [١] مثلا، نظروا في كتب قد صنّفتها أوائلهم، و حبّروها لهم بألفاظ مزخرفة، من غير أصل ثابت، و لا حجّة توجب إثبات ما ادّعوا، كلّ ذلك خلافا على اللّه و على رسله، و تكذيبا بما جاءوا به عن اللّه؛
فأمّا من زعم أنّ الأبدان ظلمة، و الأرواح نور، و أنّ النور لا يعمل الشرّ، و الظلمة لا تعمل الخير، فلا يجب عليهم أن يلوموا أحدا على معصية، و لا ركوب حرمة، و لا إتيان فاحشة، و أنّ ذلك على الظلمة غير مستنكر، لأنّ ذلك فعلها، و لا له أن يدعو ربّا و لا يتضرّع إليه، لأنّ النور ربّ، و الربّ لا يتضرّع إلى نفسه، و لا يستعيذ بغيره، و لا لأحد من أهل هذه المقالة أن يقول: أحسنت [يا محسن] أو أسأت، لأنّ الإساءة من فعل الظلمة و ذلك فعلها، و الإحسان من النور، و لا يقول النور لنفسه: أحسنت يا محسن، و ليس هناك ثالث؛
فكانت الظلمة على قياس قولهم أحكم فعلا، و أتقن تدبيرا، و أعزّ أركانا من النور؛
بتلك الخشونة، فلا يتصوّر الوصول إلى كمال وجود إلّا بلين و خشونة.
و قال بعضهم: بل الظلام لمّا احتال حتّى تشبّث بالنور من أسفل صفحته، فاجتهد النور حتّى يتخلّص منه و يدفعه عن نفسه، فاعتمد عليه فلجج فيه، و ذلك بمنزلة الإنسان الّذي يريد الخروج من و حل وقع فيه، فيعتمد على رجله ليخرج فيزداد لجوجا فيه، فاحتاج النور إلى زمان ليعالج التخلّص منه و التفرّد بعالمه.
و قال بعضهم: إنّ النور إنّما دخل [أجزاء] الظلام اختيارا ليصلحها، و يستخرج منها أجزاء صالحة لعالمه، فلمّا دخل تشبّثت به زمانا، فصار يفعل الجور و القبيح اضطرارا لا اختيارا، و لو انفرد في عالمه ما كان يحصل منه إلّا الخير المحض و الحسن البحت، و فرق بين الفعل الاضطراري و بين الفعل الاختياري، انتهى؛
أقول: «قد مرّ القول في بيان اختلاف مذاهبهم و تطبيق الخبر عليها في كتاب التوحيد» منه ره.
[١] «أهملهم» ب.