مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٥٤٩ - الأخبار، الأصحاب
لأنّ الأبدان محكمة، فمن صوّر هذا الخلق صورة واحدة على نعوت مختلفة، و كلّ شيء يرى ظاهرا من الزهر و الأشجار و الثمار و الطير و الدوابّ يجب أن يكون إلها؛
ثمّ حبست النور في حبسها و الدولة لها.
و أمّا ما ادّعوا بأنّ العاقبة سوف تكون للنور فدعوى، و ينبغي على قياس قولهم أن لا يكون للنور فعل لأنّه أسير، و ليس له سلطان، فلا فعل له و لا تدبير؛
و إن كان له مع الظلمة تدبير فما هو بأسير بل هو مطلق عزيز، فإن لم يكن كذلك؛
و كان أسير الظلمة فإنّه يظهر في هذا العالم إحسان و خير مع فساد و شرّ؛
فهذا يدلّ على أنّ الظلمة تحسن الخير و تفعله كما تحسن الشرّ و تفعله؛
فإن قالوا: محال ذلك، فلا نور يثبت و لا ظلمة، و بطلت دعواهم، و رجع الأمر إلى أنّ اللّه واحد، و ما سواه باطل، فهذه مقالة «ماني» الزنديق و أصحابه.
و أمّا من قال: النور و الظلمة بينهما حكم، فلا بدّ من أن يكون أكبر الثلاثة الحكم؛
لأنّه لا يحتاج إلى الحاكم إلّا مغلوب أو جاهل أو مظلوم.
و هذا مقالة المانويّة [١]، و الحكاية عنهم تطول. قال: فما قصّة ماني؟ قال: متفحّص أخذ بعض المجوسيّة فشابها ببعض النصرانيّة، فأخطأ الملّتين و لم يصب مذهبا واحدا منهما، و زعم أنّ العالم دبّر من إلهين: نور و ظلمة، و أنّ النور في حصار من الظلمة على ما حكينا منه، فكذّبته النصارى، و قبلته المجوس.
قال: فأخبرني عن المجوس، أبعث اللّه إليهم نبيّا؟ فإنّي أجد لهم كتبا محكمة، و مواعظ بليغة، و أمثالا شافية، يقرّون بالثواب و العقاب، و لهم شرائع يعملون بها.
قال: ما من أمّة إلّا خلا فيها نذير، و قد بعث إليهم نبيّ بكتاب من عند اللّه، فأنكروه و جحدوا كتابه.
قال: و من هو، فإنّ الناس يزعمون أنّه خالد بن سنان؟
[١] «المدقونيّة» ب، ع. و الظاهر أنّ جميعها تصحيف صوابه «المرقيونيّة» و هم أصحاب «مرقيون» أثبتوا أصلين قديمين متضادّين: أحدهما النور، و الثاني الظلمة، و أثبتوا أصلا ثالثا هو المعدّل الجامع، و هو سبب المزاج. راجع الملل و النحل: ١/ ٢٥٢.