مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٥٤٢ - الأخبار، الأصحاب
و بما ذا استحقّ الفقراء التقتير و الضيق؟ قال: اختبر الأغنياء بما أعطاهم لينظر كيف شكرهم، و الفقراء بما منعهم لينظر كيف صبرهم.
و وجه آخر: أنّه عجّل لقوم في حياتهم، و لقوم آخر ليوم حاجتهم إليه؛
و وجه آخر: أنّه علم احتمال كلّ قوم فأعطاهم على قدر احتمالهم، و لو كان الخلق كلّهم أغنياء لخربت الدنيا و فسد التدبير، و صار أهلها إلى الفناء، و لكن جعل بعضهم لبعض عونا، و جعل أسباب أرزاقهم في ضروب الأعمال و أنواع الصناعات؛
و ذلك أدوم في البقاء، و أصحّ في التدبير؛ ثمّ اختبر الأغنياء باستعطاف الفقراء كلّ ذلك لطف و رحمة من الحكيم الّذي لا يعاب تدبيره.
قال: فبم استحقّ الطفل الصغير ما يصيبه من الأوجاع و الأمراض بلا ذنب عمله، و لا جرم سلف منه؟ قال: إنّ المرض على وجوه شتّى [١] مرض بلوى، و مرض العقوبة، و مرض جعله علّة للفناء و أنت تزعم أنّ ذلك من أغذية رديئة، و أشربة و بيئة [٢] أو من علّة كانت بامّه، و تزعم أنّ من أحسن السياسة لبدنه، و أجمل النظر في أحوال نفسه، و عرف الضارّ ممّا يأكل من النافع لم يمرض، و تميل في قولك إلى من يزعم أنّه لا يكون المرض و الموت إلّا من المطعم و المشرب، قد مات أرسطاطاليس معلّم الأطبّاء، و أفلاطون رئيس الحكماء، و جالينوس شاخ [٣] و دقّ بصره، و ما دفع الموت حين نزل بساحته، و لم يألوا [٤] حفظ أنفسهم و النظر لما يوافقها، كم من مريض قد زاده المعالج سقما! و كم من طبيب عالم، و بصير بالأدواء و الأدوية، ماهر مات، و عاش الجاهل بالطبّ بعده زمانا! فلا ذاك نفعه علمه بطبّه عند انقطاع مدّته و حضور أجله، و لا هذا ضرّه الجهل بالطبّ مع بقاء المدّة و تأخّر الأجل.
[١] «لعلّه (عليه السلام) جعل مرض الأطفال من القسم الأوّل، لأنّه ابتلاء للأبوين، لينظر كيف صبرهم و شكرهم، و الحاصل أنّه (عليه السلام) أبطل ما توهّمه السائل، و بنى عليه كلامه من أنّ المرض لا يكون إلّا عقوبة لذنب»؛
[٢] «أي مورثة للوباء و هو الطاعون، و أصله الهمز»؛
[٣] «قوله: (شاخ) أي صار شيخا. و دقّ بصره أي ضعف، أو على بناء المجهول أي عمى»؛
[٤] «قوله (عليه السلام): (و لم يألوا) أي و لم يقصّروا» منه ره.