فقه الشيعة كتاب الخمس و الأنفال - الموسوي الخلخالي، سيد محمدمهدي - الصفحة ١٥ - خمس الأرباح و آية الخمس
..........
بالشيء بلا بدل، و إن جاء في تفسير جملة من اللغويين بأن «الغنم و الغنيمة» هو «الفوز بالشيء بلا مشقة»[١] إلّا أن الظاهر: أنه من باب التطبيق على أظهر الأفراد، دون تقييد أصل المفهوم به، و من هنا يطلق على الغنائم الحربية، مع أن الحصول عليها لا يكون إلّا بمشقة بالغة كما أن نفس اللغوي قد يفسّره بمطلق الفوز بالشيء فالأصح تقييد مفهومه بقيد «بلا بدل» كما في تعبير آخرين منهم[٢] دون «بلا مشقة».
و الحاصل: أن المستفاد من كلمات اللغويين أن الغنم و الغنيمة في أصل اللغة بمعنى مطلق الفائدة، و الفوز بالشيء بلا بدل مطلقا سواء أ كان من الأمور المادّية كالغنائم الحربيّة، و أرباح التجارات، و الزراعات و نحوها، و الهبات، و العطيات و نحوها، أو من الأمور المعنوية كاغتنام فرصة العمر و الشباب، و الأجر و الثواب، كما في قوله تعالى فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ[٣].
و من هنا قد استدل كثير من الأصحاب[٤]- الذين هم أهل اللسان بإطلاق
[١] لاحظ ما ذكرناه في التعليقة من أقوال اللغويين.
[٢] كأقرب الموارد و المنجد في نفس المادّة.
[٣] النساء: ٩٤.
[٤] مصباح الفقيه كتاب الخمس: ٢.
الغنيمة في كلمات الفقهاء و المفسرين
لا بأس بذكر كلمات بعضهم في هذا المجال، و لا بد أن نشير إلى نكتة قبل بيان كلماتهم، و هي أنه لو فرضنا أنه فسّر بعضهم« الغنيمة» بالغنائم الحربية، سواء أ كان من الفقهاء، أو المفسرين لا يكون ذلك حجة علينا، و إنما هذا رأي يختص به، إذ الأساس هو تفسير الغنيمة في الآية الكريمة بمعناها اللغوي دون الاصطلاحي عند المفسر، أو الفقيه، نعم لا ننكر أن هذه اللفظة صارت ذات حقيقة عند المتشرعة- في الغنائم الحربية- لكن بعد نزول الآية الكريمة بكثير، لكثرة استعمالها فيها متأخرا هذا مضافا إلى أن موضوع الحكم في الآية الكريمة هو( ما غنمتم) دون( الغنيمة) و إليك نقل كلمات الفقهاء و المفسرين في تفسير« الغنيمة».
أما الفقهاء فمنهم:-- ١- الشيخ المفيد قدّس سرّه في المقنعة يقول:« و الخمس واجب في كل مغنم، قال اللّه عز و جل: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى ... إلى أن يقول: و الغنائم كل ما استفيد بالحرب من الأموال السلاح و الثياب و الرقيق، و ما استفيد من المعادن، و الغوص، و الكنوز، و العنبر، و كل ما فضل من أرباح التجارات و الزراعات، و الصناعات، عن المئونة، و الكفاية في طول السنة على الاقتصاد».
٢- السيد المرتضى علم الهدى
قال قدّس سرّه في( الانتصار: ٨٦)
« مسألة: و مما انفردت به الإمامية القول بأن الخمس واجب في جميع المغانم و المكاسب، و ما استخرج من المعادن و الغوص و الكنوز، و مما فضل من أرباح التجارات، و الزّراعات، و الصّناعات بعد المئونة، و الكفاية في طول السنة على اقتصاد، دليلنا الإجماع، و قوله تعالى وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ.
٣- الشيخ الطوسي
قال قدّس سرّه في( كتاب الخلاف ١: ٣٥٥)
« المعادن كلها يجب فيها الخمس من الذهب و الفضة و الحديد و الصفر و النحاس و الرّصاص و نحوها مما ينطبع و مما لا ينطبع كالياقوت و الزبرجد و الفيروزج و نحوها، و كذلك القير و الموميا و الملح و الزجاج و غيره، دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم، و أيضا قوله تعالى وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ و هذه الأشياء كلها مما غنمه الإنسان.
و قال( في المبسوط ٢: ٦٤)
« و أما الغنيمة فمشتقة من الغنم و هو ما يستفيده الإنسان بسائر وجوه الاستفادة سواء كان برأس مال أو غير رأس مال، فالغنيمة على ضربين: أحدهما ما يؤخذ من دار الحرب بالسيف و القهر و الغلبة، و الآخر ما يحصل من غير ذلك من الكنوز و المعادن و الغوص و أرباح التجارات و غير ذلك».
و قال في النهاية ص؟؟؟
« و يجب الخمس أيضا في جميع ما يغنمه الإنسان من أرباح التجارات و الزراعات و غير ذلك بعد إخراج مئونته و مئونة عياله».
٤- ابن زهرة
قال قدّس سرّه في كتاب الغنيمة:« و اعلم أن مما يجب في الأموال الخمس و الذي يجب فيه الغنائم الحربية، و الكنوز و معادن الذهب و الفضة بلا خلاف، و معدن الصّفر و النحاس و الحديد و الرّصاص، و الزئبق على خلاف في ذلك، و الكحل و الزرنيخ و القير و النفط و الكبريت و الموميا، و الزّبرجد و الياقوت، و الفيروزج، و البلخش و العنبر و العقيق و المستخرج بالغوص، بدليل الإجماع المشار إليه، و طريقة الاحتياط و اليقين ببراءة الذمة، و ظاهر قوله تعالى:
وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ و هذه الأشياء إذا أخذها الإنسان كانت غنيمة»- بنقل عن الينابيع الفقهيّة ٥: ٢٤٤.-- ٥- المحقق قال قدّس سرّه في( كتاب المعتبر: ٦٢٣) في بحث وجوب الخمس في أرباح التجارات و الصنائع و الزراعات و جميع الاكتسابات بعد المئونة« لنا قوله تعالى وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ و الغنيمة اسم للفائدة و كما يتناول هذا اللفظ غنيمة دار الحرب بإطلاقه يتناول غيرها من الفوائد» و قال( في الشرائع: ٢٤٤ في كتاب الجهاد)« فالغنيمة هي الفائدة المكتسبة سواء اكتسبت برأس مال كأرباح التجارات أو بغيره كما يستفاد من دار الحرب».
٦- العلامة
قال قدّس سرّه( في المختلف ٢: ٣١)« المشهور بين علمائنا إيجاب الخمس في أرباح التجارات و الصناعات و الزراعات ...
لنا قوله تعالى وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ و هذا من جملة الغنائم».
و قال( في التذكرة ٥: ٤٢٠)« الصنف الخامس: أرباح التجارات، الزراعات و سائر الصناعات و سائر الاكتسابات بعد إخراج مئونة السنة له و لعياله على الاقتصاد من غير إسراف و لا تقتير عند علمائنا كافة خلافا للجمهور كافة لعموم وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ.
و قال في كتاب الجهاد ٩: ١١٩« الفصل الرابع في الغنائم: مسألة: الغنيمة هي الفائدة المكتسبة، سواء اكتسبت برأس مال و شبهه، كأرباح التجارات و الزراعات و الصناعات و غيرها أو اكتسبت بالقتال و المحاربة ...».
٧- الشهيد
قال قدّس سرّه في كتاب البيان« إن هذه السبعة( الأشياء التي يجب فيها الخمس) مندرجة في الغنيمة».
٨- صاحب المدارك
قال قدّس سرّه في بحث وجوب الخمس في المعادن ٥: ٣٦٣« يندرج الجميع في اسم الغنيمة لأنها اسم للفائدة فيتناول الجميع».
٩- المحقق النراقي
قال قدّس سرّه( في كتاب المستند ٢: ٧١):« المسألة الاولى: أن الأصل وجوب الخمس في جميع ما يستفيده الإنسان و يكتسبه و يغنمه للآية الشريفة و الأخبار أما الآية فقوله سبحانه وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ الآية، فإن الغنيمة في أصل اللغة الفائدة المكتسبة ...».
١٠- صاحب الحدائق
قال قدّس سرّه في( ١٢: ٣٤٧) في بحث ما يفضل عن مئونة السنة و مما يدل على الوجوب( أي وجوب الخمس فيه) الآية الشريفة بمعونة الأخبار التي وردت بتفسيرها بما هو أعم من غنيمة دار الحرب ...».
١١- الشيخ الأنصاري
قال قدّس سرّه في( كتاب الخمس: ٧٤)« و ممن حكى عنه التصريح بعموم الغنيمة لجميع ما يستفاد: المفيد، و الشيخ، و ابن زهرة و الطبرسي في مجمع البيان ... إلى أن يقول: بل عرفت أن في الرياض دعوى الإجماع على عموم الآية ...».-- ١٢- الفقيه الهمداني
قال قدّس سرّه في( كتاب الخمس: ٩٤ في بحث أرباح المكاسب)« و يدل عليه أيضا عموم الآية الشريفة بالتقريب الذي عرفته في صدر المبحث».
و يقصد بذلك ما ذكره( في ص ١٤) من الكتاب المذكور، فراجع.
هذه كلمات جمع من الأعلام و الفقهاء العظام تراهم يستدلون بإطلاق الآية الكريمة على وجوب الخمس في مطلق الفوائد.
و أما المفسرون فمنهم:
١- الشيخ الطوسي
في تفسيره( كتاب التبيان ٥: ١٤٤.
يقول في ذيل آية الخمس:« الغنيمة ما أخذ من أموال أهل الحرب من الكفار بقتال، و هي هبة من اللّه تعالى للمسلمين، و الفيء ما أخذ بغير قتال ... إلى أن يقول: الخمس يجب في كل فائدة تحصل للإنسان من المكاسب، و أرباح التجارات، و الكنوز و المعادن، و الغوص، و غير ذلك مما ذكرناه في كتب الفقه، و يمكن الاستدلال على ذلك بهذه الآية؛ لأن جميع ذلك يسمى غنيمة ...».
تراه في صدر كلامه أنه بصدد بيان الفرق بين قسمين مأخوذين من أموال الكفار الغنائم الحربية، و الفيء و أن الأول مأخوذ بالقتال و الثاني بغير قتال، و لكن في ذيل كلامه نص بالعموم و شمول الغنيمة في الآية الكريمة لكل فائدة و إن لم تكن من أموالهم المنقولة إلى المسلمين.
٢- الراوندي في كتاب فقه القرآن يقول:« و الخمس يجب فيها« اي في الغنيمة الحربية» و في كل فائدة تحصل للإنسان من المكاسب و أرباح التجارات، و في الكنوز و المعادن و الغوص، و غير ذلك، و هي خمسة، و عشرون جنسا، و كل واحد منها غنيمة، فإذا كان كذلك فالاستدلال يمكن عليها كلها بهذه الآية« يعني آية الخمس»- بنقل عن كتاب الينابيع الفقهيّة ٥: ٢١٥.
٣- الشيخ الطبرسي في مجمع البيان( ٤: ٥٤٤).
يقول في ذيل الآية الكريمة:« قال أصحابنا إن الخمس واجب في كل فائدة تحصل للإنسان من المكاسب، و أرباح التجارات، و في الكنوز، و المعادن، و الغوص، و غير ذلك مما هو مذكور في الكتب، و يمكن أن يستدل على ذلك بهذه الآية، فإن في العرف يطلق على جميع ذلك اسم الغنم و الغنيمة».
٤- المقدّس الأردبيلي( في كتاب زبدة البيان في تفسير القرآن: ٢١٠).
يقول:« ... ثم إنه يفهم من ظاهر الآية وجوب الخمس في كل الغنيمة، و هي في اللغة بل العرف أيضا الفائدة».
٥- الفخر الرازي في تفسير الكبير( ١٠: ١٦٤) يقول في ذيل الآية الكريمة:« الغنم: الفوز بالشيء، يقال: غنم يغنم غنما فهو غانم، و الغنيمة في الشريعة ما دخلت في أيدي المسلمين من أموال المشركين على سبيل القهر بالخيل و الركاب».-- فإنّه يعترف بأن المعنى اللغوى للغنيمة هو الفوز بالشيء مطلقا، و إن اصطلح في الشرع في الغنائم الحربية، و لكن لا دليل على حمل الآية الكريمة على ذلك.
٦- الآلوسي في تفسيره روح المعاني( ١٠: ٢) يقول في ذيل الآية الكريمة:« غنم في الأصل من الغنم بمعنى الربح ...».
٧- و في كنز العرفان للمقداد( ١: ٢٤٨) يقول:« الغنيمة في الأصل هي الفائدة المكتسبة، و النفل، و اصطلح جماعة على أن ما أخذ من الكفار إن كان من غير قتال فهو« فيء» و إن كان مع القتال فهو« غنيمة» و هو مذهب أصحابنا ...».
٨- السيد الطباطبائي قدّس سرّه في تفسير الميزان( ٩: ٨٩) يقول:« الغنم و الغنيمة إصابة الفائدة من جهة تجارة، أو عمل، أو حرب، و ينطبق بحسب مورد نزول الآية على غنيمة دار الحرب ...».
قد تحصل من كلمات هؤلاء الفقهاء و المفسرين: أن الغنيمة و الغنم في الأصل هو الفوز بالشيء مطلقا، سواء الغنائم الحربية أو غيرها.
فترى هؤلاء الفقهاء، و غيرهم يستندون في تخميس أرباح المكاسب- في ضمن كلامهم- بصدق عنوان الغنيمة عليها قاصدين الإشارة إلى آية الغنيمة، أو مصرحين بالاستدلال بها، فلاحظ.
الغنيمة في الاصطلاح
نعم للفقهاء اصطلاح خاص في خصوص كتاب الجهاد للفظ« الغنيمة» في مقابل« الفيء» للفرق بينهما موضوعا و حكما، أما الغنيمة في الاصطلاح المذكور فهي عبارة عن المال المأخوذ من العدو قهرا، و حكمه أن يكون خمسه للإمام و قبيله، و الباقى أربعة أخماسها يكون للمقاتلين يقسّم بينهم على الوجه المقرر في كتاب الجهاد، و دلت عليه آية الغنيمة، و أما« الفيء» فهو عبارة عن المال المأخوذ من العدو بغير قتال إما بالصلح أو بتركهم له، و حكمه أن يكون كله للإمام دل عليه قوله تعالى وَ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ. فلا خمس في« الفيء» و لعل هذا هو المراد من.
صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول« ليس الخمس إلّا في الغنائم خاصة»[ الوسائل ٩: ٤٨٥، باب وجوب الخمس في غنائم دار الحرب الحديث الأول].
أي في مقابل« الفيء» فإن جميعه للإمام، لا خمسه فقط، و هذا هو الفارق بينهما موضوعا و حكما، فليس الحصر في الصحيحة حقيقيا بالنسبة إلى جميع ما فيه الخمس، بل إضافي بالنسبة إلى« الفيء».