مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٥٢٨ - الأخبار، الأصحاب
نظرت إلى بناء مشيّد مبنيّ علمت أنّ له بانيا، و إن كنت لم تر الباني و لم تشاهده؟
قال: فما هو؟ قال: هو شيء بخلاف الأشياء، ارجع بقولي «شيء» إلى إثبات معنى و أنّه شيء بحقيقة الشيئيّة، غير أنّه لا جسم و لا صورة، و لا يحسّ و لا يجسّ، و لا يدرك بالحواسّ الخمس، لا تدركه الأوهام، و لا تنقصه الدهور، و لا يغيّره الزمان.
قال السائل: فتقول: إنّه سميع بصير؟
قال: هو سميع بصير، سميع بغير جارحة، و بصير بغير آلة، بل يسمع بنفسه، و يبصر بنفسه، ليس قولي: إنّه يسمع بنفسه و يبصر بنفسه أنّه شيء، و النفس شيء آخر؛
و لكن أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسئولا، و إفهامك لك إذ كنت سائلا.
و أقول: يسمع بكلّه، لا أنّ الكلّ منه له بعض، و لكنّي أردت إفهاما و التعبير عن نفسي، و ليس مرجعي في ذلك إلّا إلى أنّه السميع البصير العالم الخبير بلا اختلاف الذات و لا اختلاف المعنى. قال السائل: فما هو؟
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): هو الربّ، و هو المعبود، و هو اللّه؛
و ليس قولي: «اللّه» إثبات هذه الحروف: ألف، لام، هاء [١]، و لكنّي أرجع إلى معنى هو شيء خالق الأشياء و صانعها، وقعت عليه هذه الحروف، و هو المعنى الّذي يسمّى به اللّه و الرحمن و الرحيم و العزيز و أشباه ذلك من أسمائه، و هو المعبود جلّ و عزّ.
قال السائل: فإنّا لم نجد موهوما إلّا مخلوقا. قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):
لو كان ذلك كما تقول، لكان التوحيد عنّا مرتفعا، لأنّا لم نكلّف أن نعتقد غير موهوم، و لكنّا نقول: كلّ موهوم بالحواسّ مدرك، فما تحدّه [٢] الحواسّ و تمثّله فهو مخلوق.
و لا بدّ من إثبات صانع للأشياء خارج من الجهتين المذمومتين: إحداهما النفي إذ كان النفي هو الإبطال و العدم، و الجهة الثانية التشبيه [إذ كان التشبيه] من صفة المخلوق الظاهر التركيب و التأليف، فلم يكن بدّ من إثبات الصانع لوجود المصنوعين؛
و الاضطرار منهم إليه أثبت أنّهم مصنوعون، و أنّ صانعهم غيرهم، و ليس مثلهم؟
إذ كان مثلهم شبيها بهم في ظاهر التركيب و التأليف، و فيما يجري عليهم من حدوثهم
[١] «لاه» ب.
[٢] «تجده» م.