مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ١١٣٣ - ٤- باب آخر في حال زكريّا بن إبراهيم
فقال: لقد هداك اللّه، ثمّ قال: اللهمّ اهده- ثلاثا- سل عمّا شئت يا بنيّ.
فقلت: إنّ أبي و امّي على النصرانيّة و أهل بيتي، و امّي مكفوفة البصر، فأكون معهم، و آكل في آنيتهم؟
فقال: يأكلون لحم الخنزير؟ فقلت: لا، و لا يمسّونه.
فقال: لا بأس، فانظر امّك فبرّها، فإذا ماتت [١]، فلا تكلها إلى غيرك، كن أنت الّذي تقوم بشأنها، و لا تخبرنّ أحدا [٢] أنّك أتيتني، حتّى تأتيني بمنى إن شاء اللّه.
قال: فأتيته بمنى و الناس حوله، كأنّه معلّم صبيان [٣]، هذا يسأله، و هذا يسأله.
فلمّا قدمت الكوفة، ألطفت لامّي، و كنت اطعمها، و افلّي ثوبها [٤] و رأسها و أخدمها، فقالت لي: يا بنيّ، ما كنت تصنع بي هذا، و أنت على ديني؛
فما الّذي أرى منك منذ هاجرت، فدخلت في الحنيفيّة [٥]؟
فقلت: رجل من ولد نبيّنا، أمرني بهذا. فقالت: هذا الرجل هو نبيّ؟
فقلت: لا، و لكنّه ابن نبيّ. فقالت: يا بنيّ [إنّ هذا نبيّ، إنّ هذه وصايا الأنبياء.
فقلت: يا امّه، إنّه ليس يكون بعد نبيّنا نبيّ، و لكنّه ابنه.
فقالت: يا بنيّ] دينك خير دين أعرضه عليّ. فعرضته عليها، فدخلت في الإسلام
[١] ظاهره أنّ هذا لعلمه (عليه السلام) بأنّها تسلم عند الموت (قاله المجلسي ره).
[٢] قيل: لعلّه إنّما نهاه عن إخباره بإتيانه إليه كيلا يصرفه بعض رؤساء الضلالة عنه، و يدخله في ضلالته قبل أن يهتدي للحقّ. و أقول: يحتمل أن يكون للتقيّة لا سيّما و قد اشتمل الخبر على الإعجاز أيضا، و كأنّه لذلك طوى حديث اهتدائه في إتيانه الثاني أو الاولى؛
و يحتمل أن يكون ترك ذلك لظهوره من سياق القصّة. (قاله المجلسي ره).
[٣] كأنّ التشبيه في كثرة اجتماعهم و سؤالهم، و لطفه (عليه السلام) في جوابهم، و كونهم عنده بمنزلة الصبيان في احتياجهم إلى المعلّم، و إن كانوا من الفضلاء، و قبولهم ما سمعوا منه من غير اعتراض (قاله المجلسي ره).
[٤] «افلّي ثوبها: أي انظر فيه لاستخراج قملها». منه (ره).
[٥] الحنيفيّة ملّة الإسلام لميله عن الإفراط و التفريط إلى الوسط، أو الملّة الإبراهيميّة لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان ينتسب إليها (قاله المجلسي ره).