مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٨٧٢ - (٥) باب كتابه (عليه السلام) إلى عبد الرحيم القصير
فإنّ القرآن كلام اللّه محدث غير مخلوق، و غير أزليّ مع اللّه تعالى ذكره [١] و تعالى عن ذلك علوّا كبيرا، كان اللّه عزّ و جلّ و لا شيء غير اللّه، معروف و لا مجهول؛
كان عزّ و جلّ و لا متكلّم و لا مريد و لا متحرّك و لا فاعل، جلّ و عزّ ربّنا؛
فجميع هذه الصفات محدثة عند حدوث الفعل منه، جلّ و عزّ ربّنا؛
و القرآن كلام اللّه غير مخلوق، فيه خبر من كان قبلكم، و خبر ما يكون بعدكم، انزل من عند اللّه على محمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).
و سألت رحمك اللّه عن الاستطاعة للفعل؛
فإنّ اللّه عزّ و جلّ خلق العبد و جعل له الآلة و الصحّة، و هي القوّة الّتي يكون العبد بها متحرّكا مستطيعا للفعل، و لا متحرّك إلّا و هو يريد الفعل؛
و هي صفة مضافة إلى الشهوة الّتي هي خلق اللّه عزّ و جلّ، مركّبة في الإنسان؛
فإذا تحرّكت الشهوة في الإنسان اشتهى الشيء فأراده، فمن ثمّ قيل للإنسان: مريد فإذا أراد الفعل و فعل، كان مع الاستطاعة و الحركة، فمن ثمّ قيل للعبد: مستطيع متحرّك. فإذا كان الإنسان ساكنا غير مريد للفعل، و كان معه الآلة و هي القوّة و الصحّة اللتان بهما تكون حركات الإنسان و فعله، كان سكونه لعلّة سكون الشهوة.
فقيل: ساكن، فوصف بالسكون.
فإذا اشتهى الإنسان و تحرّكت شهوته الّتي ركّبت فيه، اشتهى الفعل و تحرّكت بالقوّة المركّبة فيه، و استعمل الآلة الّتي بها يفعل الفعل، فيكون الفعل منه عند ما تحرّك و اكتسبه، فقيل: فاعل و متحرّك و مكتسب و مستطيع،
أو لا ترى أنّ جميع ذلك صفات يوصف بها الإنسان؟
و سألت رحمك اللّه عن التوحيد؟ و ما ذهب إليه من قبلك؛
فتعالى اللّه الّذي ليس كمثله شيء و هو السميع البصير، تعالى اللّه عمّا يصفه
[١] قال الصدوق (رض): كأنّ المراد من هذا الحديث ما كان فيه من ذكر القرآن،
و معنى ما فيه أنّه «غير مخلوق» أي غير مكذوب، و لا يعني به أنّه غير محدث، لأنّه قد قال: «محدث غير مخلوق و غير أزليّ مع اللّه تعالى ذكره».