مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٦٦٠ - (١٠) باب موعظته (عليه السلام) لعنوان البصري
و إذا فوّض العبد تدبير نفسه على مدبّره، هان عليه مصائب الدنيا، و إذا اشتغل العبد بما أمره اللّه تعالى و نهاه، لا يتفرّغ منهما إلى المراء و المباهاة مع الناس،
فإذا أكرم اللّه العبد بهذه الثلاث، هان عليه الدنيا، و إبليس، و الخلق، و لا يطلب الدنيا تكاثرا و تفاخرا، و لا يطلب [ما] عند الناس عزّا و علوّا، و لا يدع أيّامه باطلا؛
فهذا أوّل درجة المتّقين قال اللّه تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [١]
قلت: يا أبا عبد اللّه، أوصني؟
فقال: أوصيك بتسعة أشياء، فإنّها وصيّتي لمريدي الطريق إلى اللّه عزّ و جلّ،
و اللّه أسأل أن يوفّقك لاستعمالها: ثلاثة منها في رياضة النفس، و ثلاثة منها في الحلم، و ثلاثة منها في العلم، فاحفظها، و إيّاك و التهاون بها؛
قال عنوان: ففرّغت قلبي له، فقال (عليه السلام):
أمّا اللواتي في الرياضة: فإيّاك أن تأكل ما لا تشتهيه، فإنّه يورث الحماقة و البله؛
و لا تأكل إلّا عند الجوع، و إذا أكلت فكل حلالا، و سمّ اللّه، و اذكر حديث الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) «ما ملأ آدميّ وعاء شرّا من بطنه؛
فإن كان لا بدّ، فثلث لطعامه، و ثلث لشرابه، و ثلث لنفسه».
و أمّا اللواتي في الحلم: فمن قال لك: إن قلت واحدة سمعت عشرا؛
فقل: إن قلت عشرا لم تسمع واحدة، و من شتمك فقل: إن كنت صادقا فيما تقول، فاللّه أسأل أن يغفرها لي، و إن كنت كاذبا فيما تقول فاللّه أسأل أن يغفرها لك؛
و من وعدك بالجفاء، فعده بالنصيحة و الدعاء.
و أمّا اللواتي في العلم: فاسأل العلماء ما جهلت، و إيّاك أن تسألهم تعنّتا و تجربة؛
و إيّاك أن تعمل برأيك شيئا، و خذ بالاحتياط في جميع ما تجد إليه سبيلا؛
و اهرب من الفتيا هربك من الأسد، و لا تجعل رقبتك للناس جسرا.
[١] القصص: ٨٣.