مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٥٩٢ - الأخبار، الأصحاب
فقال رجل من الجلساء: إنّا رأيناكم تزهدون في الأطعمة الطيّبة، و مع ذلك تأمرون الناس بالخروج من أموالهم حتّى تمتّعوا أنتم منها!
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): دعوا عنكم ما لا ينتفعون به، أخبروني أيّها النفر:
أ لكم علم بناسخ القرآن من منسوخه، و محكمه من متشابهه الّذي في مثله ضلّ من ضلّ، و هلك من هلك من هذه الأمّة؟ فقالوا له: أو بعضه، فأمّا كلّه فلا.
فقال لهم: فمن هاهنا أتيتم، و كذلك أحاديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) [١]؛
فأمّا ما ذكرتم من إخبار اللّه عزّ و جلّ إيّانا في كتابه عن القوم الّذين أخبر عنهم بحسن فعالهم، فقد كان مباحا جائزا [٢]، و لم يكونوا نهوا عنه، و ثوابهم منه على اللّه عزّ و جلّ؛
و ذلك أنّ اللّه جلّ و تقدّس أمر بخلاف ما عملوا به، فصار أمره ناسخا لفعلهم، و كان نهي اللّه تبارك و تعالى رحمة منه للمؤمنين و نظرا، لكيلا يضرّوا بأنفسهم و عيالاتهم، منهم الضعفة الصغار، و الولدان، و الشيخ الفاني، و العجوزة الكبيرة، الّذين لا يصبرون على الجوع؛
فإن تصدّقت برغيفي و لا رغيف لي غيره ضاعوا و هلكوا جوعا.
فمن ثمّ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): خمس تمرات، أو خمس قرص، أو دنانير أو دراهم يملكها الإنسان و هو يريد أن يمضيها، فأفضلها ما أنفقه الإنسان على والديه؛
ثمّ الثانية على نفسه و عياله. ثمّ الثالثة على قرابته الفقراء؛
ثمّ الرابعة على جيرانه الفقراء. ثمّ الخامسة في سبيل اللّه، و هو أحسنها أجرا.
و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) للأنصاري- حين أعتق عند موته خمسة أو ستّة من الرقيق لم يكن يملك غيرهم و له أولاد صغار-: لو أعلمتموني أمره ما تركتكم تدفنوه مع المسلمين، يترك صبية صغارا يتكفّفون الناس!
ثمّ قال: حدّثني أبي أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: ابدأ بمن تعول، الأدنى فالأدنى؛
ثمّ هذا ما نطق به الكتاب ردّا لقولكم، و نهيا عنه مفروضا من اللّه العزيز الحكيم؛
[١] أي فيها ناسخ و منسوخ، و محكم و متشابه و أنتم لا تعرفون. مرآة العقول: ١٩/ ٧.
[٢] هذا لا ينافي ما ذكره (عليه السلام) في جواب الثوري، فإنّه علّة شرعيّة الحكم أوّلا و نسخه ثانيا (مرآة العقول).