مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٥٥٣ - الأخبار، الأصحاب
قد حبّره بفطنته، و حسّنه بحكمته، قد جعله حاجزا بين الناس، يأمرهم بالخير و يحثّهم عليه، و ينهاهم عن السوء و الفساد و يزجرهم عنه، لئلّا يتهاوشوا [١] و لا يقتل بعضهم بعضا.
قال (عليه السلام): ويحك! إنّ من خرج من بطن امّه أمس [٢]، و يرحل عن الدنيا غدا، لا علم له بما كان قبله، و لا ما يكون بعده، ثمّ إنّه لا يخلو الإنسان من أن يكون خلق نفسه، أو خلقه غيره، أولم يزل موجودا، فما ليس بشيء [٣] لا يقدر على أن يخلق شيئا، و هو ليس بشيء،
و كذلك ما لم يكن فيكون شيئا، يسأل فلا يعلم كيف كان ابتداؤه، و لو كان الإنسان أزليّا لم تحدث فيه الحوادث، لأنّ الأزليّ لا تغيّره الأيّام، و لا يأتي عليه الفناء؛
مع أنّا لم نجد [٤] بناء من غير بان، و لا أثرا من غير مؤثّر، و لا تأليفا من غير مؤلّف؛
فمن زعم أنّ أباه خلقه، قيل: فمن خلق أباه؟ و لو أنّ الأب هو الّذي خلق ابنه؛
[١] تهاوشوا: اختلطوا. و في المصدر: تهارشوا، من تهارشت الكلاب أي يتقاتلون و يتواثبون.
[٢] حاصله أنّ الأنبياء يخبرون الناس بما كان و ما يكون، فلو كان كما زعمه السائل فأنّى لهم علم ذلك؟»
[٣] هذا إبطال للشقّ الأوّل، و هو أن يكون خلق نفسه، و هو مبنيّ على ما يحكم به العقل من تقدّم العلّة على المعلول بالوجود، و لمّا كان الشقّ الثاني متضمّنا لما هو المطلوب- و هو كون الصانع سوى هذه الممكنات الحادثة- و لما هو غير المطلوب- و هو كون صانعه مثله في الحدوث- أبطل هذا بقول: (و كذلك ما لم يكن فيكون) أي لا يمكن أن يكون صانعه شيئا لم يكن فوجد، و هو بحيث إذا سئل لا يعلم كيف ابتدأ نفسه، لأنّ الممكن الّذي اكتسب الوجود من غيره، و هو في معرض الزوال لا يتأتّى منه إيجاد غيره.
و يحتمل أن يكون ضمير «ابتداؤه» راجعا إلى المعلول، أي كيف يكون إنسان موجدا لإنسان آخر مع أنّه إذا سئل لا يعلم كيف كان ابتداء خلق هذا الآخر؛
و يحتمل أن يكون على الوجه الأوّل دليلا آخر على إبطال الشقّ الأوّل؛
أي لا يكون الإنسان موجدا لنفسه، و إلّا لكان يعلم ابتداء خلقه»؛.
[٤] «و قوله: (مع أنّا لم نجد) دليل آخر على إبطال ما سبق، مبنيّا على ما يحكم به العقل من أنّ التركيب و التأليف يوجب الاحتياج إلى المؤثّر، ثمّ قال: فلو قيل: إنّ خالق الابن هو الأب ننقل الكلام إلى الأب حتّى ينتهى إلى صانع غير مؤلّف و لا مركّب لا يحتاج إلى صانع آخر؛
و إنّما خصّ الأب لأنّه أقرب الممكنات إليه، ثمّ أبطل كون الأب خالقا بوجه آخر، و هو أنّه لو كان خالقا لابنه، لخلقه على ما يريده و يشتهيه، و لملك حياته و بقاءه إلى آخر ما ذكره (عليه السلام)» منه ره.