مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٤٢٠ - الأخبار، الأصحاب
قال: فأخرجته حافيا حاسرا في قميصه و منديله، و كأن [١] قد جاوز السبعين؛
فلمّا مضى بعض الطريق، ضعف الشيخ فرحمته، فقلت له: اركب؛
فركب بغل شاكري [٢] كان معنا، ثمّ صرنا إلى الربيع، فسمعته و هو يقول له:
ويلك يا ربيع! قد أبطأ الرجل، و جعل يستحقّه استحثاثا شديدا؛
فلمّا أن وقعت عين الربيع على جعفر بن محمّد (عليهما السلام) و هو بتلك الحال بكى. و كان الربيع يتشيّع، فقال له جعفر (عليه السلام): يا ربيع! أنا أعلم ميلك إلينا، فدعني اصلّي ركعتين و أدعو.
قال: شأنك و ما تشاء، فصلّى ركعتين خفّفهما، ثمّ دعا بعدهما بدعاء لم أفهمه، إلّا أنّه دعاء طويل، و المنصور في ذلك كلّه يستحثّ الربيع، فلمّا فرغ من دعائه على طوله، أخذ الربيع بذراعيه، فأدخله على المنصور. فلمّا صار في صحن الإيوان، وقف ثمّ حرّك شفتيه بشيء، لم أدر ما هو، ثمّ أدخلته فوقف بين يديه؛
فلمّا نظر إليه قال: و أنت يا جعفر! ما تدع حسدك و بغيك، و إفسادك على أهل هذا البيت من بني العبّاس، و ما يزيدك اللّه بذلك إلّا شدّة حسد و نكد، ما تبلغ به ما تقدره.
فقال له: و اللّه يا أمير المؤمنين! ما فعلت شيئا من هذا، و لقد كنت في ولاية بني اميّة و أنت تعلم أنّهم أعدى الخلق لنا و لكم، و أنّهم لا حقّ لهم في هذا الأمر، فو اللّه ما بغيت عليهم، و لا بلغهم عنّي سوء، مع جفائهم الّذي كان لي.
فكيف يا أمير المؤمنين أصنع الآن هذا؟ و أنت ابن عمّي و أمسّ الخلق بي رحما، و أكثرهم عطاء و برّا، فكيف أفعل هذا؟!
فأطرق المنصور ساعة، و كان على لبد [٣]، و عن يساره مرفقة [٤] جرمقانيّة [٥]، و تحت لبده سيف ذو فقار، كان لا يفارقه إذا قعد في القبّة.
[١] كأنه كان يبدو على مظهره (عليه السلام) من كبر السنّ، بسبب إرهاق و إجحاف و ظلم بني اميّة و بني العبّاس، و ذلك لأنّ عمره الشريف لم يتجاوز «٦٨» سنة، يوم شهادته على المشهور.
[٢] «الشاكري: الأجير و المستخدم، معرب جاكر، قاله الفيروزآبادي» منه ره.
[٣] اللبد: البساط.
[٤] المرفقة: المخدّة.
[٥] الجرامقة: قوم من العجم صاروا بالموصل في أوائل الإسلام، الواحد جرمقاني، و كساء جرمقي بالكسر.