مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ١٣٩ - الأخبار، الأصحاب
فقال ما معناه: ما زلت اكرّر آيات القرآن حتّى بلغت إلى حال كأنّني [١] سمعتها مشافهة
[١] قوله: «كأنّني»- لا «أنّني»- نظير ما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في أخبار الغيب و علامات ظهور المهدي (عليه السلام): «كأنّي أنظر إلى اصيلع، افيدع»
معناه: أنّه (عليه السلام) يخلّى بنفسه، و يفرغ بروحه خالصا إلى حال وحي القرآن بحيث كأنّه يسمع مشافهة و ذلك لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد.
و ليس هذا المورد وحيا كوحي القرآن إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو في ليلة المعراج و الإسراء إذ كان قاب قوسين أو أدنى فأوحى اللّه إليه ما أوحى و ناداه: يا أحمد! فسمع كما رأى من آيات ربّه الكبرى؛
و لا نظير وحي موسى إذ آنس من جانب الطور الأيمن من الشجرة كلام ربّه الّذي خلقه بأمره «كُنْ فَيَكُونُ»*: ناداه يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ ... وَ أَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى؛
و لا من قبيل ما عقد له المجلسي في البحار: ٢٦/ ١٨ بابا في جهات علم الامام (عليه السلام) و أنّه إذا سئل عن شيء كيف علمه و كيف يجيب، فقال (عليه السلام): أعلمه اللّه إمّا بسمع صوت أو بنكت في القلب أو نقر في الاذن أفضل ممّن يسمع، نظير الوحي إلى أمّ موسى: وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي؛ و نظيره ما قيل لأمّ عيسى فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا «مريم ٢٥- ٢٦».
أقول و بالجملة: لا عجب في وحي اللّه تعالى بأقسامه لأنّه يقول للشيء: «كُنْ فَيَكُونُ»*
و لست الآن في مقام بيان كيفيّة علم الإمام، و لا في أنّ الإمام من اللّه، و حجّته لا بدّ و أن يكون علمه منه، لئلّا يكون للّه على الناس حجّة بل له الحجّة البالغة جميعا، فله سمع كسماع أمي موسى و عيسى، و هذا جائز لا شاهد عليه.
و أمّا هؤلاء فما قدروا اللّه حق قدره، إذ قالوا: «لا» أو ارتابوا، قياسا لهم (صلوات اللّه عليهم) بالانسان العادي، و إن كان هو أيضا قد يرى و يسمع في منامه- دون مرتبة الوحي- كما يسمع و يرى في يقظته؛ و لكن الكلام في أنّه ليس هذا المورد من قبيل الوحي، بل هو من باب حاله (عليه السلام) عند تجريده النفس روحيّا بحيث يكون كأنّه يسمع و يرى مشافهة.
و عن الهروي القاري أنّه قال، في كتابه شرح عين العلم و زين الحلم: ٩٢، بعد أن أورد نحو الحديث أعلاه و كأنّه (عليه السلام) تصوّر أنّ اللّه سبحانه جعل لسانه بمنزلة شجرة موسى (عليه السلام) و أنّه نودي في شأنه ما صدر من الكلام في ذلك المقام وفق المرام؛
و عن السهروردي قال في نتائج الأفكار القدسيّة: ٢/ ٤٤- بعد أن أورد الحديث عن شرح عين العلم-: إنّ روح جعفر الصادق (عليه السلام) في ذلك الوقت كشجرة موسى عند ندائه منها بأنّي أنا اللّه.
أقول عجبا: بل شجرة موسى بمنزلة جهاز التلفزيون، به يسمع و يرى؛
و أمّا روح الإمام فهو بمنزلة موسى (عليه السلام) يسمع و يرى، و على كلّ فليس معنى الحديث إلّا ما ذكرناه.